تونس الآن يمر العالم اليوم، وتمر منطقتنا بصفة خاصة، بمنعطف […]
تونس الآن
يمر العالم اليوم، وتمر منطقتنا بصفة خاصة، بمنعطف تاريخي لا يعترف إلا بالقوي اقتصاديا والمكتفي ذاتيا. ومع توتر الأزمات العالمية التي كشفت عن هشاشة الاعتماد الكلي على الخارج بات الجميع يمتلك لمخططات هيكلية ناجعة يفترض أنها الحل الأنسب، غير أن المفارقة الصادمة في واقعنا تتبدى في تلك الفجوة السحيقة بين “بذخ الثرثرة وتقشف الإنجاز” ؛ فبينما يغرق المشهد العام في تضخم تنظيري وخطابات نموذجية حول التعويل على الذات والسيادة الغذائية، وإصلاح الإدارة وتطوير الصناعة، نصطدم بعجز وظيفي يعطل نقل هذه الشعارات من حيز الأماني إلى حيز الإنجاز الميداني.
هذا الانفصام عن الواقع يتغذى بالأساس من مشهد إعلامي بات يحترف “إعادة تدوير السجالات العقيمة” عبر المنابر الإذاعية وبلاتوهات التلفزة. وصفحات الرأي، فبدلا من تسليط الضوء على مكامن الخلل الحقيقية، يتم استحضار صراعات تاريخية ولّت ، أو الغرق في جدل رياضي صاخب يراد به “بوعي أو دون وعي” التغطية على إخفاقات الحاضر. لنحلل “تسللاً” مشكوكاً فيه، بينما “يتسلل” الإحباط لشبابنا وهم ينتظرون رخصة مشروع تآكلت في أدراج الموظفين وفي المقابل، تختزل مآسي القرى النائية في تقارير “فولكلورية” جميلة تكتفي بتوصيف الحرمان دون تغييره. لكنها تنسى أن رصيدنا من الألم قد نفد، وأن هذا المواطن لم يعد يقتنع بـ “الغباء المعلب” الذي يقدم له في كل نشرة أخبار عوضا عن أن تكون الأزمة دافعا للعمل الجاد تحولت إلي مادة دسمة للاستهلاك وهكذا، يترك المواطن وحيدا في مواجهة واقع إداري مأزوم يفتقر لأدنى مقومات المرفق العمومي، لتظل وعود الإصلاح والرقمنة مجرد صدى مؤجل خلف ضجيج المواقع وصخب الملاعب. والسؤال اليوم هل نحن فعلا نمتلك رفاهية التأجيل؟
إن العلة الحقيقية ليست في نضوب الأفكار؛ فالمجلدات الإصلاحية تفيض بالحلول، لكن الداء يكمن في تلك المسافة السحيقة بين “إرادة القرار” و”بؤس التنفيذ”. إن المبادرة الجادة اليوم لا تصطدم بجدار القوانين فحسب، بل تصطدم بعقليات إدارية تتربص بالمواطن بدلا من خدمته. والمفارقة الموجعة هنا، أن من يقف عائقا أمام هذا “التجسيم” هم موظفون نهلوا من خير المدرسة العمومية التي أنفق عليها الشعب من عرقه وبدلا من رد الجميل بتيسير مصالح الناس، نجد استهتارا بالمكسب الإداري ونزوعا نحو التنكيل، الممنهج، بطموحات الشباب
الموظف عندنا لا يدير مرفقا، بل يدير “إقطاعية” سلاحها الختم، وشعارها الخالد “أرجع غدوة”. بينما تتسابق الدول في مضمار الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر لا نزال نحن نبشر بـ “الرقمنة” كأنها كائن فضائي، والحقيقة أن الرقمنة هي العدو الأول لـ “سلطة العرقلة”؛ لأن الخوارزميات لا تشرب القهوة، ولا تعرف “الأكتاف”، ولا تملك مزاجا عكرا. لكن للأسف، إدارتنا ترفع شعار “كان صبت اندبي وكان قحطت اندبي”، لتبرير العجز.
إن هذا الانحلال في أداء الواجب حوّل الإدارة من “محرك للتنمية” إلى “مقبرة للمبادرات”. فالإصلاح الحقيقي ليس “ترميما ورقيا”، بل هو ثورة في ثقافة الموظف وعقليته؛ والسيادة الوطنية الحقيقية تبدأ من إدارة تحترم كرامة المواطن وتؤمن بأن وظيفتها هي الانجاز لا الاحتجاز
لقد استهلكنا من الوقت ما يكفي في توصيف المرض، والحقيقة أن القوانين لا تعطل نفسها، بل يعطلها من يطبقها بروح الانتقام لا الخدمة. إن شعارات “السيادة الوطنية” ستبقى جوفاء ما لم تترجم إلى إدارة تحترم كرامة المواطن. إن التاريخ لا يرحم الجاحدين الذين نهلوا من خير هذا الوطن وردوا الجميل تعطيلا وتنكيلا؛ فالفرق بين الدول الصاعدة والهاوية لا يصنعه “بذخ التنظير”، بل “بأخلاقيات التطبيق”
بثينة صالحي
















