في محيط جبل “وسلات” غرب مدينة القيروان (تبعد 150 كلم […]
في محيط جبل “وسلات” غرب مدينة القيروان (تبعد 150 كلم عن العاصمة تونس)، يكافح مزارعون ونشطاء في المجتمع المدني من أجل إعادة صنف الزيتون “الوسلاتي” أو “لقيم وسلات” الفريد من نوعه إلى مهده الأصلي في الجبل ومحيطة بعد نحو قرنين ونصف من اجتثاثه.
مزارعو جبل وسلات التاريخي لم يكتفوا بإعادة صنف “الوسلاتي” إلى مهده بل يطمحون إلى نيل علامة التسمية المثبتة للأصل لتصدير هذا الزيت الذي نال ثقة اليابانيين.
وعلى سفوح الجبل من جهاته الأربع بمعتمديات (مناطق) “عين جلولة” و”حفوز” و”العلا” و”الوسلاتية” يتم تثبيت مئات الشتلات لتعود مدرة لزيت افتقده الجبل لسنوات.
جمعية جبل وسلات للتراث والتنمية، الناشطة في المنطقة منذ 5 سنوات، استضافت وسط بساتين عين جلولة القريبة من جبل وسلات، الدكتورة سوسن مراد الخبيرة الدولية في زيت الزيتون لإسناد جهد المزارعين ونشطاء المجتمع المدني.
مراد استهلت حديثها بالقول إن “الوسلاتي أحد أفضل أصناف الزيتون الأصلية في تونس، ويعكس تاريخنا وتراثنا”.
وأضافت مراد للأناضول: “زيت الزيتون الوسلاتي يقع من حيث النكهة العطرية بين الشتوي (زيت الشمال التونسي) والشملالي (شرق وجنوب تونس)”.
وتابعت: “هو صنف ليس حارا ومرا مثل الشتوي، وليس حلوا وخفيفا مثل الشملالي، وبالتالي فإن خصائصه تجعله يُرضي طلب المستهلكين عامة”.
وفي معرض وصفها لخصائصه، قالت مراد: “الزيت الوسلاتي صالح للطهي أو الأكل طازجا مع السلطات، وهذا يمنحه فرصة أكبر لاستهلاكه وللمحافظة على هذه الثروة الأصيلة التي تمثل تراثنا”.
وعن دوره العلاجي، قالت مراد: “عندما نقوم بإجراء التحاليل نجد أن هذا الزيت غني بالبوليفينول، أي يمكن اعتباره مثل الدواء للعديد من الأمراض”.
اعتراف ياباني

وأوضحت مراد أن “هذه القيمة الغذائية اعترفت بها اليابان وقامت بدارسة حول الصنف الوسلاتي وثمنت هذا الصنف من خلال عديد الدراسات والبحوث العلمية التي أفضت إلى قيام مشاريع كبرى حاليا في اليابان لتثمين هذا الصنف”.
كما دعت مراد مزارعي المنطقة إلى العمل على الحصول على علامة التسمية المُثبتة للأصل (AOC)، التي تثبت أن هذا الزيت هو “منتوج فريد ووحيد في العالم، ولن تجده في أي مكان من العالم إلا بربوع تونس”.
ولفتت إلى أن “علامة التسمية المُثبتة للأصل تعطي قيمة مضافة للزيت ببيعه بأثمان باهظة وتعطيه قيمته الحقيقية في الأسواق العالمية”.
بدوره، قال ياسين الوسلاتي رئيس جمعية جبل وسلات للتراث والتنمية (مستقلة) للأناضول: “الوسلاتي يعود إلى مهده الأصلي، ومنذ سنة 2020 نعمل بجهد على إعادة توطين هذا الصنف”.???????
وأضاف: “كذلك نسعى لإعادة زراعة 8 آلاف شجرة زيتون حرقها الباي خلال الصراع على الحكم بين البايات قبل نحو قرنين ونصف”.
وخلال الصراعات على حكم تونس عام 1762، قاد علي باي الثاني حملة قمعية ضد ثورة في جبل وسلات دعمها السكان المحليون، وكعقاب جماعي، اقتحم جيشه الجبل، وشتت حوالي 40 ألف نسمة، وحرق ما يقدّر بـ8 آلاف شجرة زيتون لتدمير الاقتصاد المحلي ومنع أي تمرد مستقبلي.
وتابع الوسلاتي: “الحمد لله بخطى حثيثة وبسيطة وبإمكانيات قليلة بتضافر الجميع نعيد هذا التراث الجيني الفريد لربوع جبل وسلات”.
تعاون مع المزارعين
وحول المهرجان السنوي للاحتفاء بصنف الزيتون “وسلاتي”، قال رئيس جمعية جبل وسلات: “نحن كنشطاء في المجتمع المدني اخترنا أن يكون المهرجان عملي وتطبيقي، وليس فلكلوريا فحسب”.
وأوضح: “نقوم بمعاينة أراضي الفلاحين، للتأكد إن كانت أراضيهم محل نزاع من عدمه، وإن كانت تحتوي على مصدر مائي (صهريج أو بئر)، وإذا توفرت هذه الشروط الأولية نمد المزارع بـ 50 شتلة زيتون، وبحال نجح في زراعتها، نمده خلال السنة التالية بـ 50 أخرى، ثم مئة، وقد نصل معه إلى 400 شتلة”.
وأضاف الوسلاتي: “ننسق مع الفلاح ووزارة الفلاحة ومندوبية الفلاحة ومع وزارة السياحة أيضا نظرا للبعد السياحي للمهرجان، وهو إنشاء مسلك سياحة زيت الزيتون في المنطقة والترويج له وفك العزلة عن هذه المنطقة”.
وتابع الوسلاتي: “يأتي السائح التونسي والأجنبي للمنطقة ليعيش التجربة، ويجني الزيتون في الضيعة، ويعصره بالطريقة التقليدية ويتذوقه بهدف الشراء”.
تركيبة متوازنة

وقال الوسلاتي: “هناك طلب كبير عليه ولكن علينا العمل لضمان جودته بمعرفة طرق الجني والتخزين والترويج الأفضل”.
وأضاف: “نسبة البوليفينول بهذا الزيتون تبلغ 75 بالمئة ونسبة حمض الأوليك مرتفعة ومذاقه فواح، وهو معتدل، ليس قويا ولا خفيفا، وهذا يحبذه الناس في اليابان وآسيا وأمريكا”.
المهندس عادل الزوابي مدير خلية الإرشاد الفلاحي بالوسلاتية في القيروان (حكومية) قال: “نحن نتحدث عن موروث جيني مهم، وهو الزيتون الوسلاتي الذي يمثل هوية المنطقة”.
وأضاف الزوابي، خلال كلمة أمام عشرات المحتفين بالزيتون الوسلاتي بمنطقة عين جلولة (القيروان): “الزيتون زرعه الأجداد نظرا لخصوصيات المنطقة، ويطلق عليه تسمية “وسلاتي” و”اللقيم” كما يسميه أبناء المنطقة”.
وقال: “ما بين أصناف الزيتون التونسية، نجد الزيت الوسلاتي فيه تركيبة كيميائية متوازنة خاصة، لاسيما إذا اشترينه من منطقته في جبل وسلات والجبال المحيطة به، مثل جبل السرج وجبل زغدود وجبل طرزة بالعلا”.
وشدد الزوابي أن “الزيتون الوسلاتي لا يفقد خصائصه، لذلك أبناء المنطقة عند عصر زيتونهم يخزنونه، ويحتمل عشرات السنين وممكن مئات السنين، علماً أنه تم اكتشاف في بعض المغارات بجبل وسلات زيت وسلاتي مخزن منذ مئات السنين، وجودته ما زالت عالية وكأنه تم عصره الآن”.
على خطى الأجداد
وفي سفوح جبل وسلات الغربية، التقت الأناضول بالمزارع محمد أمين الخميلي (29 عاماً)، الذي قال: “أجدادي أصلهم من جبل وسلات، وجدي رحمه الله كان فلاحا يزرع القمح والشعير ويربي الأغنام والأبقار”.
وأضاف الخميلي: “كنت مغرما بالفلاحة منذ الصغر، وأنا أعاني البطالة الآن، أردت تشجير أرض جدي الذي كان يحدثنا كثيرا عن قيمة زيتون وسلات، فانغرس فيّ حب هذا الجبل”.
وتابع: “الزيتون الوسلاتي، وبالاختصار أصبحنا نناديه “الحُر”، نعرف قيمته ونريد إعادة توطينه هنا في جبل الريحان الذي هو جزء من جبل وسلات”.
وأكد المزارع الشاب: “تجربتي مع الفلاحة بدأت منذ 3 سنوات مع أبي الذي كان يعلمني لقلة خبرتي بالفلاحة، وزرعنا زيتونا بريا وقمنا بتطعيمه بالحر، وكانت تجربة ناجحة جدا لأن الأرض صخرية يحبذها هذا النوع من الزيتون”.
واختتم الخميلي بالقول: “أشكر جمعية جبل وسلات للتراث والتنمية التي منحتني شتلات وسلاتي، وأتعهد بإنجاحها وبعد 3 سنوات سيبدأ الإنتاج، ونتذوق زيته”.












