في الماضي، حرصت الأجيال السابقة من القادة السياسيين على إضفاء قدر من الوقار المؤسسي على السلطة. أما اليوم، فالواقع مختلف: الشتائم والاستعراضات الشخصية غدت جزءًا من المشهد الرسمي. في البيت الأبيض، الذي لطالما كان رمزًا للوحدة الوطنية، تظهر لوحات برونزية تنتقد الرؤساء السابقين والحاليين بطريقة طفولية، تصف جو بايدن بـ”النعسان” و”الأسوأ في التاريخ”، وباراك أوباما بأنه “أكثر الشخصيات إثارة للانقسام”.
الرد التلقائي هو الصدمة، فكيف يتحوّل مكان يمثل “بيت الشعب” إلى مسرح للمهاترات؟ هذه اللوحات لا تهدف إلى تقديم معلومات، بل لإظهار أن الرئاسة أصبحت ملكًا للفرد، وليس للأمة، بغض النظر عن توجهاته. الأكثر إثارة للانتباه هو رد الفعل العام: رغم بعض الانتقادات، يسود اللامبالاة، والناس يبررون أو يتسامحون مع ما كان يُعتبر سابقًا غير مقبول.
يكمن جزء من المشكلة في تحويل السياسة إلى شكل من أشكال الترفيه، حيث تلاشت معايير السلوك الراشد وأصبح الاستعراض والمواجهة الشخصية جزءًا من العرض السياسي. إضافة إلى ذلك، يؤدي الولاء الأعمى والانتماء الحزبي إلى تبرير الأفعال المهينة إذا صدرت من “بطلهم”، بينما يُدان نفس الفعل من الجانب الآخر. ومع مرور الوقت وتكرار المشاهد، يولّد الانهيار المستمر للأعراف السياسية نوعًا من العجز المدني المكتسب، حيث يفضّل الناس عدم الاهتمام حفاظًا على سلامتهم النفسية.
الآثار طويلة المدى: أولًا، تتآكل هيبة الرئاسة، ويبدأ المواطنون في رؤية أنفسهم كمراقبين لمنافسة لا تنتهي، بدلًا من كونهم شركاء في ملكية المؤسسات. ثانيًا، تتراجع جودة اللغة العامة، ويصبح الخطاب الفظ جزءًا من الثقافة اليومية. ثالثًا، تتحول الإهانة إلى أداة سياسية مقبولة، يتعلم منها الأطفال والشباب أن السلطة تتيح السلوك الطائش والإزدراء.
الأهم من كل ذلك، أن هذه الظاهرة تقوّض الثقة بالمؤسسات، وتشجع على التشاؤم الاجتماعي، حيث يُنظر إلى اللياقة والاحترام على أنهما ضعف. في النهاية، قد تُزال هذه اللوحات، ولكن الضرر الحقيقي يكمن في الاستسلام للمعايير المنحطة، وهو ما يهدد بقيم حضارتنا ومبادئ الديمقراطية التي بنيت عليها.