وطنية: تدخل أحكام هذا مرسوم حيّز النفاذ مباشرةً بعد الإعلان عن النتائج النهائية لأوّل انتخابات للمجالس البلدية التي تنظّم إثر صدور هذا المرسوم.
تونس الان
صدر المرسوم (140 فصلا، في تسعة عناوين) في 30 سبتمبر 2026 ويعوّض مجلة الجماعات المحلية (القانون الأساسي عدد 29 لسنة 2018) بنص أقل حجما يقتصر على المجالس البلدية. ولا يدخل حيز النفاذ إلا بعد إعلان النتائج النهائية لأول انتخابات بلدية تنظم بعده (الفصل 136)، وإلى ذلك الحين يبقى المرسوم عدد 9 لسنة 2023 المتعلق بحل المجالس البلدية ساريا.
أبرز ملامح النص
1. إعادة تعريف موقع البلدية
الفصل الأول ينص على أن المجلس البلدي “جماعة محلية” تعمل “في إطار وحدة الدولة” وتنسجم مع “السياسات والخيارات الاستراتيجية للدولة”. غابت صيغ مجلة 2018 مثل “التدبير الحر” و”مبدأ التفريع”، وحلّت محلها لغة الاندماج مع سياسات الدولة. كما أن الاستقلالية الإدارية والمالية مقيّدة بعبارة “حسب ما يضبطه القانون”.
2. تعزيز دور الوالي
هذا أوضح خيط في النص:
- مصادقة مسبقة للوالي على مواضيع أساسية (الميزانية، الاقتراض، المعاليم، أمثلة التهيئة، التفويت، الهبات…) في الفصل 30.
- حق الاعتراض على القرارات مع إيقاف التنفيذ، ثم إلغاء وجوبي إذا رفض المجلس المراجعة (الفصلان 31 و32).
- الحلول محل رئيس المجلس عند امتناعه عن ممارسة صلاحياته (الفصل 46).
- إدراج مسائل بجدول الأعمال وطلب جلسات غير علنية (الفصل 22).
- إقرار الميزانية أو تعديلها بنفسه في حالات متعددة (الفصول 76 إلى 78 و89).
3. مركزية القرار في الوزارة
وزير الداخلية يوقف رئيس المجلس (3 أشهر) ويعفيه، ويعيّن اللجنة المؤقتة للتسيير، ويقترح حل المجلس، ويعيّن الكاتب العام ويوجّه ميزانيته من وزارته. ويُلاحظ أن هذه الإجراءات أشد وضوحا في إسنادها للسلطة التنفيذية من مجلة 2018 التي أسندت القضاء الإداري دورا في بعضها.
4. الحل بحكم القانون
يُحل المجلس تلقائيا عند عدم المصادقة على الميزانية، أو عند الاستقالة الجماعية المؤدية إلى فقدان النصاب. وبموجب الفصل 79، إذا لم تتم المصادقة على الميزانية بنهاية مارس يعتبر المجلس منحلا، وهو ما يجعل الميزانية أداة ضغط قوية.
نقاط تستحق الاهتمام
مشاركة المتساكنين: أبقى النص على آليات تشاركية عملية: جلسة تمهيدية قبل كل دورة (الفصل 15)، وعلنية جلسات المجلس واللجان، والنشر الإلكتروني، وحق الاطلاع على السجلات (الفصل 27). لكنها آليات استشارية في جوهرها، دون آلية ديمقراطية تشاركية ملزمة.
ضمانات الموظفين المنتخبين: الفصل 19 يحمي العضو الأجير من الإنهاء أو التأديب بسبب الغياب لحضور الدورات، وهو حكم اجتماعي إيجابي.
الشفافية وتضارب المصالح: الفصلان 24 و25 يقرّان بطلان العقد أو القرار عند مخالفة أحكام تضارب المصالح، ويفتحان حق الطعن لكل ذي مصلحة.
الصلح قبل التقاضي: آلية جديدة (الفصول 125 إلى 131): تقديم مطلب صلح إلى الوالي وجوبا قبل رفع الدعوى ضد البلدية، مع أجل شهرين. وهي تخفف الضغط على المحاكم، لكنها تضيف عائقا إجرائيا أمام المتقاضين، وتجعل الوالي بوابة النزاع.
الأملاك والشراكة: التفصيل الجيد بين الملك العام غير القابل للتفويت والملك الخاص، مع فتح باب اللزمة والشراكة بين القطاعين العام والخاص (الفصول 105 إلى 116).
التعاون الخارجي: التوأمة تتطلب موافقة مسبقة من وزارة الداخلية، وكل اتفاقية مخالفة “لاغية وجوبا” (الفصل 119).
المحاسبة: المحاسبة ذات القيد المزدوج مؤجلة إلى 2030، والتحليلية إلى 2032 (الفصل 137)، أي أن الانتقال المحاسبي تدريجي.
ملاحظات نقدية
- حدود الاستقلالية: توازن السلطة يميل بوضوح نحو الرقابة المسبقة بدل الرقابة اللاحقة. وهذا قد يبطئ العمل البلدي ويحول المجالس إلى منفذة أكثر منها صانعة قرار.
- الاعتماد على الأوامر والقرارات الترتيبية: كثير من التفاصيل الجوهرية (شروط التفرغ، مقاييس الدوائر، إجراءات الإشغال واللزمة، منح الأعضاء) محال على أوامر وقرارات لاحقة، فالمرسوم إطار يحتاج إلى نصوص تطبيقية عديدة.
- التفرغ: الفصل 48 يجعل تفرغ رؤساء البلديات إلزاميا في مراكز الولايات وفق عتبات مالية وسكانية لم تحدد بعد.
- حجم الصلاحيات المنقولة: الفصل 13 يؤكد رصد اعتمادات مقابل أي صلاحيات جديدة، وهو حكم إيجابي، لكن تطبيقه يبقى مرتبطا بالإرادة المالية للدولة (وقد أكد الفصل 4 دعم التوازن المالي دون التزام محدد).
- الهيئات الوسيطة: الإشارة إلى “المجلس الجهوي ومجلس الإقليم” في الفصل 132 تعكس الهندسة المؤسسية الجديدة، لكن بلا تفصيل لعلاقتها بالبلديات في هذا النص.
- مسألة قانونية عامة: صدور تنظيم الجماعات المحلية بمرسوم يطرح نقاشا حول مستوى النص القانوني وضمانات المناقشة البرلمانية، خاصة أن النص ذكر فقط “إعلام” لجنة التشريع العام.
خلاصة القول
المرسوم يقدّم تنظيما مفصلا ومنسجما من الناحية الإجرائية، ويحافظ على أدوات الشفافية والمشاركة الأساسية. لكنه يعيد التوازن بين المركز والمحلي لصالح الدولة المركزية وممثلها الجهوي (الوالي) ووزارة الداخلية، في قطيعة واضحة مع منطق اللامركزية الموسّعة الذي قامت عليه مجلة 2018 وباب السلطة المحلية في دستور 2014. وسيتوقف أثره الفعلي على النصوص التطبيقية وعلى ممارسة الوالي لصلاحيات المصادقة والاعتراض.
وفيما يلي النص الكامل للمرسوم











