في زمن لم تعد فيه المسافات تعني شيئًا أمام سرعة […]
في زمن لم تعد فيه المسافات تعني شيئًا أمام سرعة انتشار المعلومة، تكفي صورة واحدة حتى تعبر القارات في ثوانٍ. لكن الأخطر أن تعبر معها الأحكام المسبقة وسوء الفهم، لتتحول لحظة عائلية خاصة إلى حملة تنمر جماعية لا يدرك أصحابها حتى من هو الشخص الذي يهاجمونه. هذا تمامًا ما حدث مع مصور برازيلي محترف يحمل اسم حساب “Amor”، نشر صورة من مجمل ما ينشره للعموم في اطار عمله، لعائلة تحتفل بانتظار مولود جديد.
زوج، وزوجة حامل، وابنتهما برازيليين في جلسة تصوير عائلية لا تختلف عن آلاف الصور التي تُنشر يوميًا في مختلف أنحاء العالم.
لكن يبدو ان شخصًا أعاد نشر الصورة في تونس، مقدّمًا إياها على أنها تعود إلى تونسي يُدعى “عمر”. ويبدو أن كثيرين اعتقدوا أن اسم الحساب “Amor” هو “عمر”، فانطلقت موجة من التعليقات الغاضبة والشتائم، وبدأت الدروس المجانية في الأخلاق والرجولة والدين، وكأن أصحاب الصورة جزء من نقاش محلي لا علاقة لهم به.
وخلال وقت قصير، تجاوز عدد التعليقات خمسة آلاف، بينما تخطى عدد التفاعلات خمسة عشر ألفًا، وهو رقم استثنائي بالنسبة إلى حساب اعتاد صاحبه على عشرات التعليقات والإعجابات فقط. أما المصور البرازيلي والعائلة، فلم يكن لديهم أي تفسير لهذا السيل من التعليقات المكتوبة بلغة لا يفهمونها، القادمة من بلد يبعد عنهم أكثر من تسعة آلاف كيلومتر. إنها مفارقة لافتة؛ البرازيليون لم يفهموا سبب الهجوم، وكثير من التونسيين لم يدركوا أنهم يوجهون إساءاتهم إلى شخص لا يعرفهم، ولا يعرف لغتهم، ولا يدور في فلكهم الثقافي أو الاجتماعي.

هذه الواقعة تتجاوز مجرد سوء فهم عابر، لتكشف جانبًا مقلقًا من ثقافة الاستخدام على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبح إطلاق الأحكام أسهل من التثبت من المعلومة، وأصبحت منصات التواصل فضاءً يمنح البعض شعورًا زائفًا بالحق في التدخل في حياة الآخرين وإصدار الأحكام عليهم دون معرفة أو تحقق.
ففي الفضاء الرقمي، لم يعد التنمر يحتاج إلى مواجهة مباشرة، بل يكفي هاتف ذكي ولوحة مفاتيح ليشارك آلاف الأشخاص في حملة إساءة جماعية ضد إنسان قد يكون على الطرف الآخر من العالم، لا ذنب له سوى أن صورته وصلت إلى المكان الخطأ، مصحوبة بقصة مختلقة.
ليست القضية في اختلاف العادات أو الثقافات، فلكل مجتمع منظومته وقيمه، وإنما في غياب الحد الأدنى من المسؤولية عند تداول المحتوى. فقبل أن نعلّق، أو نسبّ، أو نحاكم الآخرين، ربما يجدر بنا أن نسأل أولًا: هل نعرف فعلًا من نتحدث عنه؟ وهل ما وصلنا صحيح أصلًا؟ في النهاية، لم تكن الصورة هي المشكلة، بل الطريقة التي قرأها بها البعض. وما حدث يذكرنا بأن أخطر ما في مواقع التواصل ليس سرعة انتشار الصور، بل سرعة انتشار الأحكام، حين تسبق الحقيقة، ويصبح الخطأ الجماعي أكثر انتشارًا من الحقيقة نفسها.











