وطنية: الجلسة خُصّصت لمواصلة النظر في مشروع المخطط، مع التركيز على وثيقة التنمية المجالية باعتبارها أحد أبرز محاوره.
استأنف مجلس نواب الشعب، صباح اليوم الأربعاء غرة جويلية 2026، جلسة الاستماع الموحّدة إلى سمير عبد الحفيظ، وزير الاقتصاد والتخطيط، والوفد الحكومي المرافق له، بإشراف العميد إبراهيم بودربالة، رئيس مجلس نواب الشعب، وبحضور نائبيه سوسن مبروك والسيد أنور المرزوقي، وذلك في إطار مواصلة مناقشة مشروع مخطط التنمية للفترة 2026-2030.
وفي افتتاح الجلسة، أكّد رئيس مجلس نواب الشعب أنّ هذه الجلسة خُصّصت لمواصلة النظر في مشروع المخطط، مع التركيز على وثيقة التنمية المجالية باعتبارها أحد أبرز محاوره، لما تكتسيه من أهمية في تكريس العدالة بين الجهات وتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة.
واستهلّ وزير الاقتصاد والتخطيط عرضه بالتذكير بمسار إعداد مشروع مخطط التنمية المجالية، مبيّناً أنّه تمّ وفق منهجية تصاعدية وتشاركية انطلقت من المستوى المحلي، مروراً بالمستويين الجهوي والإقليمي، وصولاً إلى المستوى الوطني، وبمشاركة مختلف المجالس المنتخبة، بما يكرّس مقاربة جديدة في التخطيط ترتكز على الإنصات إلى حاجيات الجهات وتطلعاتها.
وأوضح أنّ وثيقة التنمية المجالية تتكوّن من محورين رئيسيين، يتمثّل الأول في سياسة التنمية المجالية التي تضبط التوجّهات والأهداف الاستراتيجية للفترة 2026-2030، فيما يتضمّن المحور الثاني ملخّصاً تأليفياً للمخططات الإقليمية والجهوية، بما يوفّر رؤية متكاملة للتنمية على المستوى الوطني.
وبيّن الوزير أنّ إعداد المخطط استند إلى تشخيص دقيق للواقع التنموي، استند إلى التقارير الواردة عن المجالس المنتخبة، والتي أبرزت جملة من التحديات، من بينها التفاوت التنموي بين الجهات، وضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتعقّد بعض الإشكاليات العقارية، إلى جانب الحاجة إلى تحسين النفاذ إلى الخدمات الصحية والتعليمية والنقل، وتعزيز الحركية الاقتصادية وخلق مواطن الشغل.
كما استعرض أهم المقومات الداعمة للتنمية المجالية، وفي مقدمتها الثروات الطبيعية، والرصيد البشري، وتنوع المنظومات الاقتصادية، ومشاريع البنية الأساسية، إلى جانب المؤهلات الثقافية والسياحية والبيئية، مؤكداً أنّ المخطط يراهن على الانتقالين الطاقي والرقمي، وعلى الإطار المؤسساتي الجديد، باعتبارهما رافعتين أساسيتين لتحقيق تنمية دامجة ومستدامة.
وأوضح أنّ هذه المعطيات أفضت إلى بلورة خمسة توجهات استراتيجية كبرى، تتمثل في إرساء حوكمة مجالية ناجعة تمكّن الجهات من إدارة شؤونها التنموية، وتعزيز العدالة الاجتماعية وتنمية رأس المال البشري، وبناء مجالات ترابية أكثر قدرة على الصمود أمام التحديات البيئية والمناخية، ودعم الحركية الاقتصادية والتنافسية، إلى جانب ترسيخ الاندماج والتكامل والتضامن بين مختلف الأقاليم.
وأشار في هذا السياق إلى أنّ المخطط يتضمّن برامج لتطوير الخدمات العمومية، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقي، ودعم الاقتصاد الدائري، وتثمين الموارد المحلية، وتطوير السياحة البديلة، وتحسين البنية الرقمية، إلى جانب إرساء آليات حديثة لمتابعة المشاريع وتقييمها بما يضمن نجاعة الإنجاز وحسن التصرف في الموارد.
وفي الجزء الثاني من عرضه، قدّم سمير عبد الحفيظ ملخّصًا تأليفيًا للمخططات الإقليمية والجهوية، استعرض من خلاله التوجّهات التنموية الخاصة بالأقاليم الخمسة، والمرتكزات الاستراتيجية التي تمّ اعتمادها وفق الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لكل إقليم، بما يضمن تثمين موارده وتعزيز قدراته التنموية.
كما قدّم معطيات عامة حول مختلف الأقاليم والولايات، مستعرضًا أبرز مؤشرات التنمية والفرص الاستثمارية المتاحة بها، إلى جانب توزيع الاستثمارات المبرمجة حسب القطاعات، مبرزًا ما تزخر به الجهات من مقومات طبيعية وبشرية واقتصادية من شأنها دعم الاستثمار وخلق الثروة، سواء في مجالات الفلاحة والصناعة والسياحة والاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة، أو في الاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية والتبادل التجاري.
وفي المقابل، أبرز العرض جملة من التحديات المشتركة التي لا تزال تواجه عدداً من الولايات، وفي مقدّمتها محدودية الخدمات الصحية، وضعف طاقة استيعاب سوق الشغل، والنقص المسجل في بعض المرافق والخدمات الأساسية، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد تطوير البنية التحتية وتعزيز جاذبية الاستثمار.
وتناول الوزير كذلك محاور العمل المبرمجة خلال الفترة 2026-2030، والتي ترتكز أساسًا على تطوير البنية الأساسية، وتحسين جودة الخدمات العمومية، ودعم المبادرة الخاصة والاستثمار، وتعزيز التنمية المستدامة والتأقلم مع التغيرات المناخية، مبرزًا أن هذه التوجهات تُترجم من خلال حزمة من المشاريع المهيكلة والمشاريع الجهوية المبرمجة بكل إقليم وبكل ولاية، مع مراعاة خصوصيات كل جهة واحتياجاتها التنموية.
وأشار في هذا السياق إلى أنّ العرض أبرز وجود تفاوت في مستويات التنمية، ليس فقط بين الأقاليم والولايات، وإنما أيضًا بين المعتمديات داخل الولاية الواحدة، وهو ما يؤكد أن مختلف جهات الجمهورية معنية بالجهد التنموي، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تعاني من صعوبات تنموية أكبر، في إطار سياسة تهدف إلى الحد من الفوارق المجالية وتحقيق العدالة بين الجهات.
كما أشار الوزير إلى عدد من المشاريع الوطنية الكبرى ذات البعد الهيكلي، من بينها مشروع المدينة الطبية بالقيروان، مبرزًا ما يُنتظر أن يحققه من آثار إيجابية على المستويات الصحية والاقتصادية والاجتماعية، وأن يكون قطبًا تنمويًا يساهم في دعم التنمية بالجهة وبمحيطها.
وخلال النقاش العام، طرح النواب جملة من التساؤلات والاستفسارات حول مشروع مخطط التنمية للفترة 2026-2030، ولا سيما بشأن مدى واقعية الإصلاحات المبرمجة في عدد من القطاعات الحيوية، من بينها الفلاحة، والصناعة، والتربية، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التنموية المنشودة.
وأكد المتدخلون أهمية تثمين آلية الشركات الأهلية، خاصة في القطاع الفلاحي، إلى جانب معالجة الإشكاليات المتعلقة بالأراضي الدولية والمسالك الفلاحية، باعتبارها من أبرز التحديات التي تعيق دفع الاستثمار وتحقيق التنمية بالجهات.
كما أثار النواب جملة من التساؤلات بشأن التوجهات المرسومة لإصلاح المنظومة التربوية، داعين إلى التسريع بإرساء المجلس الأعلى للتربية بما يمكّن من بلورة إصلاحات هيكلية وشاملة تستجيب لمتطلبات المرحلة.
وفي السياق ذاته، دعا عدد من النواب إلى إنصاف الجهات التي عانت من التهميش في المخططات التنموية السابقة، واعتماد مقاربة تنموية تراعي خصوصيات الأقاليم والولايات، وخاصة المناطق ذات الطابع الفلاحي والسياحي، بما يضمن تحقيق تنمية متوازنة وعادلة.
وشدّد المتدخلون كذلك على ضرورة مراعاة النمو الديمغرافي المتسارع الذي تشهده بعض المدن عند برمجة المشاريع التنموية، بما يحدّ من الفوارق الاجتماعية ويضمن توزيعًا أكثر عدالة للاستثمارات العمومية.
كما أكد النواب أهمية توفير الآليات العملية الكفيلة بضمان حسن تنفيذ مخطط التنمية، معتبرين أن نجاحه يقتضي التسريع في إنجاز إصلاحات إدارية عميقة، واستكمال مسار رقمنة الإدارة، بما يسهم في الحد من البيروقراطية، والتصدي للفساد، ومقاومة التهرب الضريبي، وتحسين مناخ الاستثمار.
واعتبر المتدخلون أن تحقيق أهداف مخطط التنمية يبقى رهين استكمال المنظومة التشريعية الداعمة للاستثمار والتنمية، داعين إلى التعجيل بإحالة عدد من مشاريع القوانين الأساسية إلى مجلس نواب الشعب، ولا سيما المتعلقة بمجلة الصرف، ومجلة الاستثمار، ومجلة البيئة، ومجلة التهيئة العمرانية.
كما دعا النواب إلى مزيد توضيح رؤية الحكومة بشأن معالجة العجز الهيكلي للميزانية، والحد من البطالة، وإصلاح المؤسسات العمومية التي تواجه صعوبات، إلى جانب الكشف عن التصورات المتعلقة بإصلاح منظومة الدعم. وأكدوا، في هذا الإطار، أهمية الاستئناس بمراكز الدراسات والخبرات الوطنية المتخصصة لإرساء آليات ناجعة لمتابعة تنفيذ المشاريع وفق آجال مضبوطة، وفي إطار من الشفافية والتشاركية.
وشدّد النواب على أهمية تعزيز التنسيق والتواصل بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية، وتكريس التفاعل المستمر مع مجلس نواب الشعب، بما يضمن حسن تنفيذ المخطط الخماسي والاستجابة لانتظارات المواطنين وتحقيق التنمية العادلة والمنشودة في مختلف جهات البلاد.
كما قدم النواب جملة من المقترحات الرامية إلى تعزيز مكانة القطاع الفلاحي ضمن مخطط التنمية 2026-2030، مؤكدين ضرورة اتخاذ إجراءات عملية من شأنها دعم الإنتاج وتحسين مردوديته. ودعوا في هذا الإطار إلى توفير مياه الري عبر السدود والبحيرات، وتثمين المياه المعالجة وإعادة توظيفها في المجال الفلاحي، إلى جانب إحداث مناطق للتبريد والتخزين للمحاصيل الفلاحية بما يحدّ من الخسائر ويحافظ على جودة المنتوج، فضلاً عن تشجيع الصناعات التحويلية بما يساهم في تثمين الإنتاج الوطني وخلق القيمة المضافة.
كما شدد المتدخلون في هذا الصدد على أهمية العمل المشترك من أجل إنجاح مخطط التنمية، معتبرين أن نجاحه يبقى رهين إرساء رؤية تجعل من الفلاحة قطاعاً استراتيجياً ومحركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية وتحقيق الأمن الغذائي.
واستفسر عدد من النواب عن مآل بعض المشاريع في جهاتهم التي لا تزال معطلة، مطالبين بتسريع نسق إنجازها وإيجاد الحلول الكفيلة بتجاوز العراقيل التي تحول دون تنفيذها.
وفي سياق متصل، أكد عدد اخر من النواب على ضرورة تحقيق التكامل والتنسيق بين الجماعات المحلية والبلديات ومختلف الهياكل المتدخلة، بما يضمن حسن تنفيذ مخطط التنمية وانجاحه على ارض الواقع.
و أثار النواب مسألة التفاوت التنموي بين الجهات، داعين الى اعتماد التمييز الإيجابي و الانصاف في توزيع المشاريع و الاستثمارات من أجل تحقيق تنمية متوازنة و عادلة بين مختلف المناطق .
كما اكد المتدخلون أن الغاية الأساسية من أي مخطّط تنموي هي خدمة الإنسان والارتقاء بجودة حياته، مشددين في هذا الاطار على ضرورة أن يتضمن المخطّط تصورات وحلولًا عملية لمعالجة عدد من الإشكاليات المجتمعية، من بينها تنامي الجريمة وانتشار المخدرات وارتفاع نسبة الأمية التي بلغت 17.3 بالمائة، إلى جانب تراجع نسبة الخصوبة إلى 1.5 بما يطرح تحديات ديمغرافية.
كما دعوا إلى تعزيز تمكين المرأة اقتصاديًا ودعم مساهمتها في الإنتاج، معتبرين أن المخطّط لم يولِ بالقدر الكافي بعض المسائل الأساسية، وفي مقدمتها إشكالية النظافة والبيئة.
وشدد النواب على ضرورة ترسيخ ثقافة العمل والإنتاج باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق أهداف التنمية، كما اقترح بعضهم إحداث آلية أو هيكل صلب مجلس نواب الشعب يتولى متابعة تنفيذ المشاريع المدرجة ضمن مخطط التنمية ومراقبة مدى تقدم إنجازها، بما يضمن حسن التنفيذ والتقييم الدوري.
ورُفعت الجلسة إثر استكمال تدخلات النواب على أن تُستأنف غدا 2 جويلية 2026 بداية من العاشرة صباحا.













