لطالما استخدم تعبير «عقل طائر» للدلالة على محدودية الذكاء، فيما […]
لطالما استخدم تعبير «عقل طائر» للدلالة على محدودية الذكاء، فيما ارتبط الدجاج في المخيلة الحديثة بالطعام أكثر من ارتباطه بكائن حي يمتلك ذاكرة ومشاعر وعلاقات اجتماعية. لكن أبحاثًا علمية متزايدة تقدم صورة مختلفة تمامًا عن هذا الطائر، وتكشف قدرات معرفية وانفعالية أكثر تعقيدًا مما يعتقد كثيرون.
وتقول عالمة الأعصاب المتخصصة في سلوك الحيوان والأستاذة الفخرية بجامعة نيو إنغلند الأسترالية، البروفيسورة ليزلي روجرز، إن الاعتقاد بأن الدجاج حيوان بسيط أو قليل الذكاء لا يزال شائعًا، مرجعة استمرار هذه الصورة إلى أسباب مرتبطة بطريقة تعامل البشر مع هذا النوع من الحيوانات وظروف تربيته.
وتشير روجرز إلى أن الدراسات التي تناولت علم الأعصاب والإدراك لدى الدجاج خلال العقود الماضية وسعت بصورة كبيرة المعرفة بقدراته، وكشفت عن آليات عصبية مرتبطة بالتعلم والذاكرة والسلوك.
ذاكرة تتجاوز التوقعات
من أبرز المفاجآت التي كشفتها الدراسات أن الدجاج يمتلك قدرات قوية على التعرف والتذكر، إذ يستطيع تمييز أكثر من 100 وجه لدجاجات أخرى، كما يمكنه التعرف على أفراد بعينهم حتى بعد مرور أشهر على الانفصال عنهم.
ولا تقتصر قدراته على الذاكرة، إذ أظهرت تجارب علمية أن الدجاج قادر على قدر من ضبط النفس وتأجيل الحصول على مكافأة صغيرة وفورية مقابل انتظار مكافأة أكبر.
وفي إحدى التجارب، فضلت الدجاجات المدربة على استخدام أزرار ملونة للحصول على الطعام المكافأة الأكبر التي تتطلب انتظارًا قصيرًا، على المكافأة الأصغر المتاحة فورًا، في معظم المحاولات.
كما تشير الأبحاث إلى امتلاك الكتاكيت قدرات إدراكية تشمل التعرف على الأفراد، والتمييز بين المألوف والغريب، والتعلم المكاني، والتعامل مع الأعداد وإجراء عمليات حسابية بسيطة.
ليست مجرد استجابات غريزية
وتكشف أبحاث أخرى أن الكتاكيت لا تتعامل مع ما يحيط بها بطريقة عشوائية، إذ تستطيع التمييز بصريًا بين الحبوب والحصى المتشابهة في الشكل والحجم، وتتعلم اختيار ما يصلح للأكل وتجنب ما لا يصلح.
وترى روجرز أن هذه النتائج تشير إلى أن الكتاكيت لا تستجيب للبيئة بمجرد ردود فعل انعكاسية، وإنما تعالج المعلومات بصريًا وتستخدمها لاتخاذ قرارات سلوكية.
ولا تتوقف القدرات عند الفرد، بل تمتد إلى العلاقات داخل القطيع.
فالدجاج يعيش ضمن نظام اجتماعي يتضمن علاقات هيمنة وخضوع، فيما تبدأ الكتاكيت في تشكيل ما يعرف بـ«ترتيب النقر» منذ الأيام الأولى من حياتها، لتتحدد مكانة كل فرد داخل المجموعة في وقت مبكر للغاية.
الدجاج يشعر أيضًا
وبحسب روجرز، فإن الدجاج يظهر حالات عاطفية وانفعالية متعددة، من بينها الخوف والقلق والمتعة والترقب والضيق، ويمكن ملاحظة هذه الحالات من خلال سلوكه وحركاته وأصواته.
وتظهر حساسية خاصة لدى الأمهات تجاه صغارها؛ فقد أظهرت إحدى الدراسات أن الدجاجات تتفاعل عندما تعتقد أن كتاكيتها تواجه تهديدًا، فتزداد حركتها ونداءاتها الصوتية، وتتراجع بعض سلوكياتها المعتادة، إلى جانب ظهور مؤشرات فسيولوجية مرتبطة بالتوتر.
كما تشير الأبحاث إلى قدرة الكتاكيت على تكوين روابط اجتماعية في وقت مبكر، ليس فقط مع أمهاتها وإخوتها، بل أحيانًا مع الإنسان أو حيوانات أخرى، مثل الكلاب.
قطيع من الشخصيات المختلفة
وتشير الملاحظات الميدانية أيضًا إلى أن الدجاجات ليست متطابقة في طباعها وسلوكها، بل تظهر بينها فروق فردية واضحة.
وفي إحدى الحالات التي وثقتها عالمة الأنثروبولوجيا باربرا كينغ، فقدت دجاجة بصرها داخل قطيع، فتولت دجاجة أخرى دور الرفيقة لها، وظلت تتبعها وتنام إلى جوارها، بل تركت لها في إحدى المرات دودة لتأكلها.
لكن السلوك داخل القطيع لم يكن دائمًا قائمًا على التعاطف؛ إذ ظهرت أيضًا مظاهر للمنافسة والعدوان، فيما تدخل بعض أفراد القطيع للدفاع عن الدجاجة الضعيفة، بينما التزم آخرون الحياد.
وتعكس هذه السلوكيات، بحسب الباحثين، عالمًا اجتماعيًا أكثر تعقيدًا مما توحي به الصورة التقليدية عن الدجاج.
علاقة عمرها آلاف السنين
ولا تأتي هذه الاكتشافات في فراغ؛ فالدجاج يعد من أكثر الحيوانات ارتباطًا بالبشر عبر التاريخ، ولم يكن دوره مقتصرًا على توفير اللحوم والبيض، بل استخدم في مكافحة الآفات، وارتبط بممارسات دينية وثقافية واقتصادية مختلفة.
واليوم، ومع وجود عشرات المليارات من الدجاج حول العالم، يظل هذا الطائر من أكثر الحيوانات استخدامًا في صناعة الغذاء، بينما لا تزال حياته الفردية وشخصيته وقدراته العقلية بعيدة عن الاهتمام الذي تحظى به حيوانات أخرى مثل القطط والكلاب.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام سؤال مختلف: إذا كان الدجاج قادرًا على التذكر والتعلم واتخاذ القرارات، وتكوين الروابط الاجتماعية وإظهار مؤشرات على الخوف والتوتر والمتعة، فهل حان الوقت لإعادة النظر في الصورة التي اختزلته لعقود في مجرد «طعام» أو «عقل طائر»؟















