هل يمكن أن تتحدث الأرض قبل أن تهتز بعنف؟ وهل […]
هل يمكن أن تتحدث الأرض قبل أن تهتز بعنف؟ وهل تحمل الهزات الصغيرة التي تسبق الزلازل الكبرى إشارات يمكن للعلماء التقاطها قبل وقوع الكارثة؟
دراسة حديثة أجراها فريق بحثي من مركز هلمهولتز بوتسدام لأبحاث علوم الأرض في ألمانيا، ونشرتها دورية «نيتشر كوميونيكيكيشنز»، توصلت إلى أن النشاط الزلزالي قد يمر بتغيرات ملحوظة قبل بعض الزلازل الكبرى، بما قد يفتح الباب أمام تطوير وسائل أفضل لتقدير احتمالات وقوعها.
لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تعني الوصول إلى القدرة على التنبؤ الدقيق بموعد الزلزال أو مكانه أو قوته.
عندما تتغير «همسات» الأرض
اعتمدت الدراسة على تقنية التعلم الآلي غير الخاضع للإشراف، وهي طريقة تتيح للخوارزمية البحث عن الأنماط المتكررة والعلاقات الموجودة داخل البيانات الزلزالية من دون تحديد مسبق لما ينبغي البحث عنه.
وركز الفريق على خمسة زلازل كبرى وقعت في مناطق مختلفة، هي زلزال كهرمان مرعش في تركيا عام 2023، ولاكويلا وأماتريتشي في إيطاليا عامي 2009 و2016، وإيكويكي في تشيلي عام 2014، وزلزال شبه جزيرة نوتو في اليابان عام 2024.
وقام الباحثون بتحليل الهزات التي سبقت تلك الزلازل، وتصنيفها في مجموعات أو «عائلات» وفق قربها المكاني والزمني وتشابه أحجامها.
ومن خلال تحليل هذه المجموعات، تمكن الباحثون من رصد أنماط مختلفة في النشاط الزلزالي، وظهرت لدى بعض الحالات مرحلة تمهيدية سبقت الزلزال الكبير.
تجمع الهزات وزيادة تفاعلها
أبرز ما لفت انتباه الباحثين ظهور ما وصفوه بـ«الفئة الحرجة»، وهي مجموعات من الهزات اتسمت بخصائص مختلفة عن النشاط الزلزالي المعتاد.
أولى هذه الخصائص كانت زيادة التركيز المكاني والزمني، إذ أصبحت الهزات أكثر تجمعًا في مناطق محددة وخلال فترات زمنية أكثر تقاربًا، بدلاً من توزعها بصورة عشوائية.
أما العلامة الثانية فتمثلت في ارتفاع مستوى التفاعل بين الهزات. فعندما تحدث هزة صغيرة، يمكن أن تؤدي إلى تغيير الإجهاد في الصخور المحيطة، بما يؤثر بدوره في صدوع قريبة ويزيد احتمالات حدوث هزات أخرى.
وبحسب الدراسة، فإن اجتماع هذه التغيرات يرتبط أيضًا بطريقة مختلفة في تحرير الإجهاد المتراكم داخل القشرة الأرضية.
هل أصبح التنبؤ بالزلازل ممكنًا؟
يؤكد الدكتور صادق كريمبولي، الباحث الرئيسي في الدراسة من مركز هلمهولتز بوتسدام، أن النتائج لا تعني أن العلماء باتوا قادرين على تحديد موعد وقوع الزلازل الكبرى.
وأوضح أن ما توصل إليه الفريق قد يساعد على رصد اللحظة التي يبدأ فيها نظام الصدوع بالتصرف بطريقة مختلفة عن حالته الطبيعية، وهو ما يمكن أن يصبح مستقبلًا أحد العناصر المستخدمة لتحديث احتمالات الخطر الزلزالي.
لكن ذلك لا يسمح، وفق الباحث، بتحديد الوقت والموقع والشدة الدقيقة للزلزال.
كما أن النتائج لا توفر فترة إنذار ثابتة يمكن تعميمها على جميع الزلازل.
ففي الحالات التي درستها الأبحاث، ظهرت أوضح التغيرات قبل نحو 8 أشهر من زلزال كهرمان مرعش، وقبل شهر تقريبًا من زلزال لاكويلا، وقبل نحو أسبوعين من زلزال إيكويكي في تشيلي.
وبذلك، يشير نطاق الدراسة إلى أن التغيرات القابلة للرصد قد تظهر قبل الزلزال بفترات تتراوح بين أسابيع وأشهر، لكنها تختلف من حالة إلى أخرى.
ما الذي يميز هذه الطريقة؟
يرى كريمبولي أن الاختلاف الأساسي عن محاولات سابقة يتمثل في عدم البحث عن مؤشر زلزالي منفرد، مثل تغير عدد الهزات أو أحجامها، وإنما تحليل مجموعة واسعة من الخصائص الفيزيائية والإحصائية في وقت واحد.
كما تركز الطريقة على مجموعات من الهزات المتفاعلة بدلاً من التعامل مع كل هزة باعتبارها حدثًا منفصلًا.
وتمكنت الخوارزمية من رصد أنماط متقاربة في ثلاث بيئات تكتونية مختلفة، وهو ما يعتبره الباحثون دليلًا مهمًا على إمكانية تطوير الفكرة، وإن كانت لا تزال بعيدة عن أن تصبح نظامًا شاملًا للتنبؤ بالزلازل.
الطريق لا يزال طويلًا
ويقر الباحثون بأن الطريق نحو الاستفادة العملية من هذه النتائج لا يزال مليئًا بالتحديات، أبرزها اختبار النموذج على عدد أكبر من الزلازل، ومعرفة مدى تكرار ظهور هذه المؤشرات، وقياس معدلات الإنذارات الكاذبة والأحداث التي لا يتم رصدها.
ويعتزم الفريق في المرحلة المقبلة دمج بيانات فهارس الزلازل مع معلومات أخرى، من بينها أشكال الموجات الزلزالية وتشوه سطح الأرض ورصد الانزلاقات البطيئة المحتملة.
كما سيعمل الباحثون على تحديد مستويات عدم اليقين، والتحقق من إمكانية تكرار النتائج عبر شبكات رصد مختلفة، ومحاولة فهم سبب ظهور بوادر قابلة للكشف قبل بعض الزلازل دون غيرها.
وبينما لا يزال حلم معرفة متى وأين سيضرب الزلزال الكبير بعيد المنال، تشير الدراسة إلى أن الأرض قد لا تكون صامتة تمامًا قبل الكارثة، وأن «همساتها» الصغيرة ربما تحمل معلومات يمكن للعلماء تعلم كيفية قراءتها.
(الجزيرة)












