تحولت الرغبة في الحصول على وجه أكثر شبابًا ونضارة إلى […]
تحولت الرغبة في الحصول على وجه أكثر شبابًا ونضارة إلى كابوس بالنسبة لعدد من النساء في الصين وكوريا الجنوبية، بعد ظهور حالات تورم وانتفاخ غير طبيعي في الوجه عقب الخضوع لحقن تجميلية تعرف باسم حقن «عوامل النمو».
وانتشرت صور ومقاطع فيديو لمتضررات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهرت على وجوههن تغيرات كبيرة لم تكن متوقعة عقب العلاج، ما أثار موجة من الجدل حول سلامة هذه الإجراءات ومدى خضوعها للرقابة الطبية.
وأطلقت منصات التواصل على هذه الحالات اسم «الوجه الفقاعة»، في إشارة إلى الانتفاخات والتورمات التي ظهرت في مناطق مختلفة من الوجه بعد فترة من تلقي الحقن.
من وجه طفولي إلى تورمات متزايدة
بحسب تقارير إعلامية صينية، لجأت بعض النساء إلى صالونات تجميل للتعامل مع علامات التقدم في العمر، بعدما رُوج لحقن عوامل النمو باعتبارها وسيلة تمنح البشرة مظهرًا أكثر شبابًا وامتلاءً خلال فترة قصيرة.
وساهمت شخصيات معروفة على مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لهذه الإجراءات، ما دفع مزيدًا من النساء إلى تجربتها بحثًا عن النتائج ذاتها.
لكن بعض الحالات لم تبدأ في مواجهة المشكلات مباشرة، إذ ظهرت التغيرات بعد أشهر أو حتى سنوات من الخضوع للحقن.
وتحدثت متضررات عن تورمات غير منتظمة، وزيادة ملحوظة في حجم الخدين، وبروز في منطقة الجبهة، إلى جانب تغير شكل الذقن، لتتحول النتيجة التي بدأت بمظهر شبابي إلى تغيرات واضحة في ملامح الوجه.
ونشرت بعض المتضررات مقاطع مصورة لتوثيق ما تعرضن له، وتحولت قصصهن إلى قضية أثارت اهتمام وسائل الإعلام والأطباء والمتخصصين في الطب التجميلي.
ما قصة «عوامل النمو»؟
عوامل النمو هي بروتينات ينتجها الجسم بصورة طبيعية، وتشارك في عمليات متعددة، من بينها نمو الخلايا وإصلاح الأنسجة وتجددها وتكوين الأوعية الدموية وإنتاج الكولاجين والإيلاستين.
وتوجد هذه العوامل، من بين مصادر أخرى، في البلازما الغنية بالصفائح الدموية، التي يمكن استخلاصها من دم الشخص نفسه واستخدامها في بعض التطبيقات الطبية وفق ضوابط محددة.
لكن الجدل الحالي يتعلق بمنتجات وحقن تجميلية تعتمد على عوامل نمو وتُستخدم بهدف تحفيز تجدد أنسجة الوجه، خصوصًا عندما تُقدم خارج الأطر الطبية المعتمدة.
وهنا يظهر اختلاف مهم عن الحشوات الجلدية التقليدية «الفيلر»، التي تهدف أساسًا إلى إضافة حجم إلى مناطق محددة من الوجه، بينما تعمل بعض عوامل النمو من خلال إرسال إشارات بيولوجية إلى الخلايا قد تحفز نشاطها لفترات أطول.
لماذا يحدث التورم؟
حاول عدد من الأطباء تفسير الحالات التي ظهرت في الصين، ومن بينهم جراح التجميل الأمريكي غاري لينكوف، الذي أوضح أن بعض عوامل النمو يمكن أن تستمر في إرسال إشارات تحفز نمو الأنسجة بعد حقنها.
ويثير ذلك مخاوف مختلفة عن تلك المرتبطة بالحشوات التقليدية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمواد غير معتمدة أو مجهولة التركيب أو تستخدم بطرق لا تستند إلى بروتوكولات طبية واضحة.
لكن المخاوف التي طرحها بعض الأطباء بشأن احتمال ارتباط هذه الحقن بنمو سرطاني لا تزال في إطار التحذيرات والفرضيات، ولا تعني أن السرطان ثبت كأحد نتائج هذه الحقن.
دراسات ترصد مضاعفات حقيقية
وفي عام 2023، درس اختصاصي الجراحة التجميلية والترميمية الصيني تشينلو شيونغ وزملاؤه مضاعفات ظهرت لدى 32 امرأة خضعن لحقن عوامل نمو في الوجه، وكانت غالبية الحالات قد تلقت الحقن في مراكز تجميل غير مرخصة.
وسجل الباحثون حالات من فرط نمو الأنسجة الرخوة، إلى جانب تورم واحمرار متزايد تحت الجلد.
وتلقى بعض المرضى علاجًا باستخدام «تريامسينولون أسيتونيد»، وهو من الستيرويدات القشرية، بينما احتاج آخرون إلى تدخل جراحي لإزالة الأنسجة المتضخمة.
ورغم تحسن الحالات بعد العلاج، عادت المشكلة لدى نسبة من المريضات خلال فترة المتابعة.
وأظهرت الفحوصات التي أجريت لبعض الأنسجة المستأصلة وجود تغيرات تضمنت أورامًا شحمية ونسيجًا ليفيًا شحميًا متضخمًا، وهي نتائج دفعت الباحثين إلى مواصلة دراسة طبيعة هذه المضاعفات وآليات حدوثها.
نتائج مقلقة في دراسة أخرى
وفي فبراير 2024، نشر فريق بحثي بقيادة جي لونغ من قسم الجراحة التجميلية والترميمية في الجامعة الطبية العسكرية بالصين دراسة بأثر رجعي شملت 65 شخصًا تلقوا حقن عوامل النمو في مستشفى «شيجينغ» بين عامي 2017 و2022.
وأظهرت الحالات التي جرى تقييمها أعراضًا مختلفة، من بينها الاحمرار، وارتفاع حرارة الجلد، والحكة، والتورم وتكون كتل ظاهرة، قبل أن تتطور بعض الحالات إلى تقرحات وإفرازات قيحية.
ووضع الباحثون خطة علاجية بدأت بالعلاج الدوائي، مع اللجوء إلى الجراحة أو شفط الدهون والأنسجة المتضخمة عندما تستدعي الحالة ذلك.
وأظهرت النتائج أن عددًا محدودًا من المرضى اختفت أعراضهم بشكل كامل، بينما احتاج عشرات آخرون إلى تدخل جراحي، ولم تحقق الجراحة زوالًا كاملًا للأعراض سوى لدى عدد محدود من الحالات.
ودفعت هذه النتائج الباحثين إلى التحذير من المخاطر المرتبطة باستخدام حقن عوامل النمو غير المرخصة، والدعوة إلى تشديد الرقابة على تداولها واستخدامها.
تحذيرات من «الجمال السريع»
ويأتي الجدل في وقت يشهد فيه قطاع الطب التجميلي توسعًا سريعًا في الصين، مع تزايد الإقبال على الإجراءات التي تعد بنتائج سريعة ودون فترات تعافٍ طويلة.
وتبدو الفئة العمرية بين 26 و35 عامًا من أكثر الفئات إقبالًا على بعض اتجاهات التجميل الحديثة، في ظل تأثير كبير لمنصات التواصل الاجتماعي والإعلانات التي تقدم أحيانًا صورة مثالية وغير مكتملة عن نتائج الإجراءات.
وتؤكد هذه الحالات أهمية عدم التعامل مع أي تقنية تجميلية جديدة باعتبارها «حلًا سحريًا»، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمواد تحقن داخل الجسم.
وينصح المختصون بالتحقق من اعتماد الإجراء والمواد المستخدمة، والتأكد من أن العلاج يتم على يد طبيب مؤهل وفي منشأة مرخصة، إلى جانب البحث عن الأدلة العلمية المتعلقة بفعاليته ومضاعفاته قبل اتخاذ القرار.
ففي عالم تتغير فيه معايير الجمال بسرعة، قد يبدو الطريق إلى وجه أكثر شبابًا قصيرًا على منصات التواصل، لكن عواقب بعض الخيارات التجميلية قد تستمر لفترة أطول بكثير من تأثير الإعلان الذي دفع إلى تجربتها.
















