قد يبدو تجنّب الخلافات وسيلة للحفاظ على العلاقات وتفادي التوتر، […]
قد يبدو تجنّب الخلافات وسيلة للحفاظ على العلاقات وتفادي التوتر، لكن المبالغة في هذا السلوك قد تجعل الإنسان أسير رغبات الآخرين، حتى يصبح التعبير عن احتياجاته وآرائه أمراً صعباً. وتعود جذور هذه العادة لدى بعض الأشخاص إلى تجارب الطفولة، حين يتعلمون أن الصمت والموافقة يجنّبانهم المشكلات ويمنحانهم شعوراً بالأمان.
تجارب الطفولة ترسم ملامح السلوك
في البيئات التي تشهد خلافات متكررة، قد يكتشف الطفل أن الامتناع عن الاعتراض أو إخفاء مشاعره يساعد على تجنّب التوتر. وقد يتعلم الدرس نفسه في المدرسة أو ضمن محيطه الاجتماعي، عندما يجد أن الامتثال لتوقعات الآخرين يمنحه القبول، بينما يؤدي الاختلاف أحياناً إلى الانتقاد أو الرفض.
ومع تكرار هذه المواقف، قد يترسخ الاعتقاد بأن الحفاظ على الهدوء يتطلب التنازل عن الرأي الشخصي، فيصبح إرضاء الآخرين وسيلة لتجنّب المواجهة، بدلاً من أن يكون اختياراً واعياً تفرضه طبيعة الموقف.
وبحسب عالمة النفس إنغريد كلايتون، وفق ما نقله موقع «بولد» (Bolde)، فإن الميل إلى إرضاء الآخرين قد يمثل لدى بعض الأطفال وسيلة للتكيف مع البيئات غير المستقرة، إذ يتعلمون مراقبة مشاعر المحيطين بهم ومحاولة تفادي ردود الأفعال السلبية.
من سلوك دفاعي إلى قيد في مرحلة البلوغ
تكمن الصعوبة في أن الأسلوب الذي ساعد الطفل على التأقلم قد يستمر معه حتى بعد تغير ظروف حياته. فالشخص الذي اعتاد تجنّب الخلاف قد يجد نفسه، في مرحلة البلوغ، يوافق على قرارات لا تناسبه، أو يتردد في التعبير عن استيائه، خشية إغضاب الآخرين أو خسارة قبولهم.
ولا تتوقف المسألة عند صعوبة الرفض، بل قد تمتد إلى تراجع القدرة على تحديد الرغبات الشخصية، نتيجة الاعتياد على إعطاء الأولوية لما يريده الآخرون.
الاختلاف جزء من اكتشاف الذات
يؤدي الاختلاف دوراً مهماً في بناء الشخصية وتطوير الاستقلالية، ولا سيما خلال مرحلة المراهقة، حين يبدأ الفرد في تكوين آرائه الخاصة واختبار قناعاته بعيداً عن تأثير الأسرة والأصدقاء.
فالحوار والاعتراض وتبادل وجهات النظر تتيح للفرد فرصة التعرف إلى حدوده وتفضيلاته. أما تجنّب المواجهة بصورة مستمرة، فقد يحدّ من هذه الفرص ويجعل الشخص أكثر اعتماداً على تقييم الآخرين له.
بين المرونة والخوف من الرفض
ليس كل تنازل علامة على ضعف الشخصية، كما أن تجنّب بعض الخلافات قد يكون قراراً حكيماً. غير أن الفارق يكمن في القدرة على الاختيار؛ فالشخص المرن يستطيع التعبير عن موقفه، ثم يقرر التنازل عندما يرى أن ذلك مناسب، بينما قد يوافق الشخص الذي يسعى إلى إرضاء الجميع بدافع الخوف من الرفض أو العواقب.
ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول هذه الاستجابة إلى نمط تلقائي يجعل قول «لا» مصدراً للقلق، حتى عندما يتعلق الأمر بمواقف بسيطة لا تستدعي كل هذا التوتر.
الثمن الخفي لكبت الرغبات
تُستخدم عبارة «تكلفة إسكات الذات» لوصف الآثار المحتملة لكبت الاحتياجات والتفضيلات الشخصية بهدف الحفاظ على رضا الآخرين. فالشخص الذي يكرس جهده لمراعاة المحيطين به قد يصبح شديد الانتباه إلى مشاعرهم، لكنه في المقابل يجد صعوبة في فهم مشاعره والإصغاء إلى رغباته.
وهكذا، قد تتحول محاولة الحفاظ على السلام في العلاقات إلى سبب في إهمال الذات، ويجد الإنسان نفسه بعد سنوات من التنازلات أمام سؤال جوهري: هل تعكس اختياراتي ما أريده حقاً، أم ما اعتدت فعله حتى لا أزعج الآخرين؟
إن بناء علاقات متوازنة لا يتطلب إلغاء الخلافات، بل إتاحة مساحة آمنة للتعبير والاختلاف. فالتعبير عن الرأي ورفض ما لا يناسبنا لا يعنيان بالضرورة الإضرار بالعلاقات، بل قد يكونان خطوة ضرورية نحو علاقة أكثر وضوحاً وتوازناً مع الآخرين ومع الذات.
(العربية)











