عندما يتعلق الأمر بالتغذية الصحية، غالباً ما ينصب التركيز على […]
عندما يتعلق الأمر بالتغذية الصحية، غالباً ما ينصب التركيز على حساب السعرات الحرارية، وزيادة البروتين، وتقليل بعض المكونات أو الالتزام بقواعد غذائية محددة. لكن نهجاً مختلفاً يعرف باسم «الأكل الحدسي» يدعو إلى التركيز بدرجة أكبر على إشارات الجسم الداخلية، ولا سيما الشعور بالجوع والشبع.
وتشير دراسة حديثة نُشرت في مجلة الطب السلوكي إلى أن الأشخاص الذين يسجلون مستويات أعلى من الأكل الحدسي يميلون إلى التمتع بمجموعة من المؤشرات الصحية الأفضل، بما في ذلك انخفاض احتمالات الإبلاغ عن ارتفاع ضغط الدم وارتفاع مستويات الدهون في الدم، إلى جانب النوم لفترة أطول وممارسة نشاط بدني أكبر وانخفاض مستويات التوتر.
ما هو الأكل الحدسي؟
يقوم الأكل الحدسي على تعلم الاستجابة لإشارات الجوع والشبع التي يرسلها الجسم، بدلاً من الاعتماد بصورة أساسية على قواعد خارجية تحدد متى وكمية ونوع الطعام الذي ينبغي تناوله.
ولا يعني ذلك تناول أي طعام من دون قيود أو تجاهل القيمة الغذائية للأطعمة، وإنما يتعلق بدرجة أكبر بالوعي بإشارات الجسم، وتجنب الأكل استجابة للملل أو التوتر أو المؤثرات الخارجية، والتوقف عن تناول الطعام عند الشعور بالشبع.
كيف أُجريت الدراسة؟
شملت الدراسة 1057 بالغاً أميركياً جرى تجنيدهم عبر منصة إلكترونية للاستبيانات، وطلب منهم الباحثون الإجابة عن مجموعة واسعة من الأسئلة المتعلقة بنمط حياتهم وصحتهم.
وأكمل المشاركون مقياساً للأكل الحدسي يقيس مدى اعتمادهم على إشارات الجوع والشبع الداخلية، بدلاً من القواعد الغذائية الخارجية أو الدوافع العاطفية والبيئية.
كما جمع الباحثون معلومات عن النشاط البدني، وعدد ساعات النوم خلال أيام الأسبوع، ومستويات التوتر خلال الأسبوعين السابقين، واستهلاك الفواكه والخضراوات، والصحة العامة كما يقيّمها المشاركون بأنفسهم، إضافة إلى مستوى الأمن الغذائي.
وطُلب منهم أيضاً الإبلاغ عن إصابتهم الحالية أو السابقة بارتفاع ضغط الدم، أو ارتفاع مستويات الكوليسترول، أو السكري من النوع الثاني.
ماذا وجدت الدراسة؟
ارتبط ارتفاع درجات الأكل الحدسي بمجموعة من النتائج الصحية الإيجابية.
فكل زيادة في درجة الأكل الحدسي ارتبطت بانخفاض احتمالات الإبلاغ عن ارتفاع ضغط الدم وارتفاع مستويات الدهون في الدم، إلى جانب انخفاض احتمالات الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
كما ارتبطت المستويات الأعلى من الأكل الحدسي بزيادة احتمال الحصول على سبع ساعات من النوم على الأقل خلال ليالي الأسبوع، وبمستويات أعلى من النشاط البدني، فضلاً عن انخفاض مستويات التوتر المُدرك.
لكن الباحثين لا يقولون إن الأكل الحدسي يؤدي مباشرة إلى هذه النتائج الصحية.
الارتباط لا يعني السببية
من أهم جوانب الدراسة أنها اعتمدت على بيانات جُمعت في نقطة زمنية واحدة، وهو ما يعرف بالدراسة المقطعية.
وبالتالي، لا يمكن تحديد اتجاه العلاقة أو إثبات أن الأكل الحدسي هو الذي أدى إلى تحسن المؤشرات الصحية.
فعلى سبيل المثال، من الممكن أن يكون الأشخاص الذين يتمتعون بصحة أفضل أكثر قدرة على التعرف إلى إشارات الجوع والشبع والاستجابة لها، وليس بالضرورة أن يكون الأكل الحدسي هو الذي أدى إلى تحسن صحتهم.
كما أن معظم المعلومات اعتمدت على ما أفاد به المشاركون بأنفسهم، بما في ذلك بعض الحالات الصحية، وهو ما قد يترك مجالاً لأخطاء التذكر أو التقدير.
وقد يكون التجنيد عبر الإنترنت قد أدى أيضاً إلى تحيز في اختيار المشاركين، إذ اقتصرت العينة على أشخاص لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت ومستعدون للمشاركة في استبيان يتعلق بالصحة.
كيف يمكن تجربة الأكل الحدسي؟
بالنسبة إلى الأشخاص الراغبين في استكشاف هذا النهج، يمكن البدء بعدد من العادات البسيطة.
الانتباه إلى الجوع: حاول تناول الطعام قبل الوصول إلى مرحلة الجوع الشديد، لأن الجوع المفرط قد يجعل التحكم في كمية الطعام أكثر صعوبة.
التوقف أثناء الوجبة: بدلاً من تناول كل ما هو موجود في الطبق تلقائياً، توقف للحظة واسأل نفسك عما إذا كنت لا تزال جائعاً أم بدأت تشعر بالشبع.
تجنب الشعور بالذنب: لا ينبغي أن تتحول الخيارات الغذائية إلى مصدر دائم للشعور بالذنب. فالتعامل الصارم مع الطعام وعقلية الحمية قد يرتبطان لدى بعض الأشخاص بزيادة التوتر والضغوط النفسية.
وفي حال وجود أهداف صحية أو غذائية محددة، يمكن الاستعانة باختصاصي تغذية مؤهل لمساعدة الشخص على تطبيق مبادئ الأكل الحدسي بطريقة تتناسب مع حالته واحتياجاته.
وفي النهاية، تقدم الدراسة دليلاً على ارتباط الأكل الحدسي بعدد من المؤشرات الصحية الإيجابية، لكنها لا تثبت أنه سبب مباشر لتحسين الصحة. وتبقى هناك حاجة إلى دراسات طولية وتجارب أكثر تقدماً لتحديد ما إذا كان تغيير طريقة تعامل الأشخاص مع إشارات الجوع والشبع يمكن أن يؤدي فعلاً إلى تحسينات صحية على المدى الطويل.












