قد لا تكون الشيخوخة مجرد نتيجة لتراكم الأضرار داخل الخلايا […]
قد لا تكون الشيخوخة مجرد نتيجة لتراكم الأضرار داخل الخلايا كما كان يُعتقد لفترة طويلة، بل قد ترتبط أيضاً بفقدان الخلايا لهويتها المتخصصة مع مرور الوقت، وفق ما تشير إليه ورقتان بحثيتان حديثتان نُشرتا في دوريتي Nature وCell.
وتقدم الدراستان، اللتان قادهما باحثون من جامعة هارفارد ومختبرات Altos، تصوراً جديداً لبيولوجيا الشيخوخة، يقوم على فكرة أن التقدم في العمر قد يؤدي إلى تآكل الآليات التي تحافظ على هوية الخلايا واستقرارها، وهو ما قد يفتح المجال أمام تدخلات تهدف إلى إبطاء بعض مظاهر الشيخوخة أو عكسها في ظروف محددة.
من تلف الخلايا إلى فقدان الهوية
لطالما ركزت إحدى النظريات الأساسية للشيخوخة على تراكم الأضرار والطفرات والاضطرابات داخل الخلايا، في عملية يمكن تشبيهها بتآكل آلة مع مرور الزمن.
لكن النموذج الجديد يضيف عاملاً آخر يتمثل في فقدان هوية الخلية.
فخلايا الجسم، رغم احتوائها في الغالب على المادة الوراثية نفسها، تختلف اختلافاً كبيراً في وظائفها. وتحدد البنية اللاجينية، التي تشمل تنظيم الكروماتين ومثيلة الحمض النووي وتعديلات الهستونات، أي الجينات التي تكون نشطة أو خاملة، وبذلك تسهم في تحديد هوية كل خلية والحفاظ عليها.
ومع التقدم في العمر، قد تضعف هذه الآليات التنظيمية، فتبدأ الخلايا في فقدان جزء من خصائصها المتخصصة.
«المشهد اللاجيني» يتآكل مع العمر
يرتبط هذا التصور بما يعرف بـالمشهد اللاجيني، وهو نموذج اقترحه عالم الأحياء كونراد وادينغتون في خمسينيات القرن الماضي لوصف كيفية اكتساب الخلايا هويتها والمحافظة عليها.
ويمكن تصور الخلية المتخصصة ككرة مستقرة في قاع وادٍ عميق؛ إذ تمنعها الحواجز المحيطة بها من الانحراف إلى مسارات أخرى. لكن مع التقدم في العمر، قد تصبح هذه «الوديان» أكثر ضحالة، ما يجعل هوية الخلية أقل استقراراً.
ويشير هذا النموذج إلى أن إحدى آليات الحفاظ على هوية الخلية تعتمد على مركب جزيئي يعرف باسم PRC2، والذي يساهم في تنظيم الكروماتين وإبقاء مناطق معينة من الجينوم في حالة مستقرة.
وتقترح الأبحاث أن الالتهاب المزمن والضغوط المستمرة قد تؤثر في هذه الآليات، ما يساهم في تآكل الاستقرار اللاجيني وفقدان الخلايا جزءاً من هويتها.
عندما تتحول الخلايا إلى نمط ليفي
ومن النتائج المهمة المرتبطة بفقدان الهوية الخلوية ما يسمى التحول الميزانشيمي، حيث تكتسب الخلايا خصائص تشبه الخلايا الليفية، ما قد يؤدي إلى زيادة ترسب المواد خارج الخلية وتكوين أنسجة ليفية.
وقد ارتبطت هذه العملية بمجموعة واسعة من الحالات المرضية، بما في ذلك بعض أمراض الأوعية الدموية والعين والدماغ.
ويشير هذا إلى أن فقدان هوية الخلايا قد لا يكون مجرد علامة على الشيخوخة، بل قد يكون جزءاً من الآليات التي تسهم في تطور عدد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.
ماذا تقيس الساعات اللاجينية؟
وتثير هذه الفكرة أيضاً اهتماماً بما يعرف بـالساعات اللاجينية، وهي نماذج تعتمد على أنماط معينة من التغيرات الكيميائية في الحمض النووي لتقدير العمر البيولوجي للخلايا والكائنات.
وتشير الأبحاث التي تناولها التقرير إلى أن هذه الساعات قد تكون مرتبطة، بصورة أو بأخرى، بالتغيرات التي تحدث في آليات تنظيم الكروماتين، ومن بينها نشاط مركب PRC2.
وبذلك، قد لا تكون الساعة اللاجينية مجرد أداة تخبرنا بعمر الخلية، بل قد تساعد مستقبلاً في فهم العمليات الجزيئية التي تتغير مع التقدم في العمر.
هل يمكن استعادة هوية الخلايا؟
من أكثر الاتجاهات إثارة للاهتمام في هذا المجال استخدام عوامل ياماناكا لإعادة برمجة الخلايا.
وقد أظهرت تجارب أن إعادة البرمجة الكاملة يمكن أن تعيد الخلايا إلى حالة شبيهة بالخلايا الجذعية، لكنها في الوقت نفسه تمحو جزءاً كبيراً من هويتها المتخصصة، ما يجعل استخدامها الكامل غير مناسب لتجديد الأنسجة بالطريقة المطلوبة.
لذلك يركز الباحثون على ما يعرف بـإعادة البرمجة الجزئية، التي تعتمد على تعريض الخلايا لعوامل إعادة البرمجة لفترات محدودة، بهدف استعادة بعض السمات الشبابية من دون محو هويتها بالكامل.
وأظهرت تجارب على خلايا بشرية ونماذج حيوانية أن هذه العملية يمكن أن تستعيد بعض الخصائص المرتبطة بالحالة الأصغر سناً، بما في ذلك آليات مرتبطة بتنظيم الكروماتين والهوية الخلوية.
لكن هذه النتائج لا تعني حتى الآن وجود علاج مثبت لعكس الشيخوخة لدى البشر، إذ لا تزال إعادة البرمجة الخلوية مجالاً بحثياً يحمل فوائد محتملة ومخاطر مهمة، من بينها خطر النمو غير المنضبط للخلايا.
ماذا عن تقييد السعرات الحرارية؟
يظهر تقييد السعرات الحرارية أيضاً ضمن الأبحاث المتعلقة بالشيخوخة، بعدما أظهرت دراسات في عدد من الكائنات الحية أنه يمكن أن يؤثر في مسارات بيولوجية مرتبطة بطول العمر.
وتشير الفرضية المطروحة إلى أن التغيرات الأيضية الناتجة عن خفض السعرات الحرارية قد تؤثر في بعض الآليات اللاجينية وتحافظ على استقرار هوية الخلايا.
لكن الأدلة المتعلقة بالبشر أكثر تعقيداً، كما أن مقدار التقييد الغذائي ومدته اللذين قد يكونان ضروريين لإحداث تأثيرات واضحة لا يزالان غير محسومين، ولذلك لا يمكن اعتبار تقييد السعرات الحرارية علاجاً مثبتاً للشيخوخة.
الليثيوم.. مسار بحثي آخر
وتتناول إحدى الدراسات أيضاً دور الليثيوم في الحفاظ على بعض خصائص الخلايا العصبية، من خلال تأثيره في مسارات جزيئية مرتبطة بفقدان الاستقرار الخلوي.
وأظهرت تجارب مخبرية أن الليثيوم يمكن أن يؤثر في بعض العمليات المرتبطة ببروتين تاو، وهو بروتين يرتبط بتطور عدد من الأمراض العصبية التنكسية.
لكن طرح الليثيوم كوسيلة محتملة للوقاية من أمراض مثل ألزهايمر لا يزال في إطار البحث العلمي، ولا ينبغي اعتباره علاجاً مثبتاً أو سبباً لتناول مكملات الليثيوم من دون إشراف طبي.
خطوة جديدة في فهم الشيخوخة
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن الشيخوخة قد تكون نتيجة تفاعل معقد بين تراكم الأضرار وفقدان استقرار هوية الخلايا، بدلاً من أن تكون عملية ناتجة عن آلية واحدة.
وإذا تأكدت هذه الفرضيات في مزيد من الدراسات، فقد يصبح الحفاظ على الهوية الخلوية أو استعادتها جزئياً أحد المسارات المهمة في أبحاث الشيخوخة والأمراض المرتبطة بها.
ومع ذلك، لا تزال معظم هذه النتائج في مراحل البحث قبل السريري، ولذلك فإن الحديث عن «عكس الشيخوخة» لدى الإنسان يبقى سابقاً لأوانه. وما توفره هذه الدراسات في الوقت الحالي هو فهم أعمق للعمليات التي قد تجعل الخلايا تفقد خصائصها مع التقدم في العمر، وليس علاجاً جاهزاً لإيقاف الشيخوخة أو عكسها.
(العربية)












