قد تبدو العطلة الصيفية فترة للراحة بعد أشهر الدراسة والامتحانات، […]
قد تبدو العطلة الصيفية فترة للراحة بعد أشهر الدراسة والامتحانات، لكنها بالنسبة إلى كثير من الأمهات قد تكون بداية مرحلة جديدة من الضغط، مع بقاء الأطفال في المنزل لفترات طويلة وتغيّر الروتين اليومي وتزايد أعباء الرعاية والعمل المنزلي.
وبين الأمهات العاملات وربات البيوت، تتداخل خلال أشهر الصيف مسؤوليات متعددة، من رعاية الأطفال والطبخ والتنظيف إلى متابعة الأنشطة والتدريبات، فضلًا عن محاولة التوفيق بين العمل والحياة الأسرية.
وتشير دراسة أولية أجراها باحثون فرنسيون ونشرت في مايو 2026 تحت عنوان «كلفة الإجازات الصيفية: الأمهات يدفعن الثمن»، إلى أن الصحة تتدهور بشكل ملحوظ لدى الأمهات مع بداية العطلة الصيفية، ولا سيما العاملات بدوام كامل.
ووفق الدراسة، لا تكمن المشكلة في وجود الأطفال في المنزل بحد ذاته، وإنما في تصادم مسؤوليات الرعاية مع متطلبات العمل، خصوصًا لدى النساء اللواتي يعملن نحو 35 ساعة أسبوعيًا، مع ارتفاع أعباء الرعاية غير المدفوعة وتراجع القدرة على التحكم في الوقت.
ولا تبدو ربات البيوت بمنأى عن هذا الضغط، إذ يعني وجود الأطفال طوال اليوم مزيدًا من ساعات الرعاية، وأعمالًا منزلية إضافية، ومتابعة مستمرة، إلى جانب تراجع الوقت الشخصي واضطراب النوم.
وتزداد المشكلة مع ارتفاع كلفة توفير بدائل لرعاية الأطفال خلال العطلة. فقد أظهر مسح بريطاني في 2026 ارتفاع متوسط كلفة الأندية الصيفية بنسبة 5% خلال عام واحد، بينما خلص تقرير بريطاني آخر إلى أن 64% من الآباء يرون أن كلفة الإجازات أصبحت أعلى من العام السابق، في حين لا يثق 41% بقدرتهم على تحمل تكاليف العطلة المقبلة.
لكن العبء لا يقتصر على الجانب المادي، إذ تفرض العطلة أيضًا ضغطًا نفسيًا خفيًا يرتبط بما يعرف بـ«الحمل الذهني» و«عبء المقاطعة». فالتعرض المتكرر للنداء والأسئلة والطلبات اليومية من الأطفال يقطع فترات التركيز ويجعل الحصول على لحظات هدوء أمرًا صعبًا.
وتشير دراسة تجريبية إلى أن الكلام البشري يمكن أن يكون أكثر إثارة للشعور بالعبء والضغط من الضوضاء أو الصمت أثناء أداء المهام التي تتطلب التركيز، كما ارتبط التعرض للكلام بارتفاع مستويات الكورتيزول وبعض المؤشرات الفسيولوجية المرتبطة بالتوتر.
ومع استمرار هذا النمط لأسابيع، قد تظهر انعكاسات أخرى تشمل اضطراب النوم، والإجهاد النفسي والفسيولوجي، وتراجع الأداء والتركيز، فضلًا عن التأثيرات المعرفية ومشكلات الصحة النفسية.
ولا تعني عودة الأطفال إلى المدارس أن الأمهات يستعدن هدوءهن تلقائيًا، إذ يحتاج استعادة الروتين إلى بعض الوقت. ويمكن أن تساعد العودة التدريجية إلى مواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ والوجبات، بدل فرض جدول مزدحم منذ الأيام الأولى.
كما يُنصح بوضع حدود واضحة بين ساعات العمل ووقت الأسرة، وتخصيص وقت كافٍ للنوم باعتباره جزءًا أساسيًا من العناية بالنفس، إلى جانب توزيع المسؤوليات داخل الأسرة بدل ترك التخطيط للوجبات والمواعيد والأنشطة والواجبات على عاتق الأم وحدها.
فبعد أشهر من الفوضى الصيفية، قد تكون العودة إلى المدرسة بالنسبة إلى بعض الأمهات أكثر من مجرد عودة إلى مقاعد الدراسة؛ إنها أيضًا محاولة لاستعادة شيء من الروتين والهدوء والسيطرة على الوقت.
(الجزيرة)

















