تشير أبحاث في علم النفس المعرفي إلى أن الذكاء لا […]
تشير أبحاث في علم النفس المعرفي إلى أن الذكاء لا يرتبط فقط بسرعة التفكير أو القدرة على حل المشكلات، بل قد يظهر أيضاً في الاستعداد لمراجعة الآراء والتخلي عن القناعات عندما تظهر أدلة جديدة تناقضها.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «فوربس» الأميركية، فإن هذه السمة تُعرف باسم «التفكير المنفتح الفعّال»، وهي من الأنماط التي حظيت باهتمام الباحثين عند دراسة العلاقة بين طريقة التفكير والقدرات المعرفية.
التفكير المنفتح.. الاستعداد لتغيير الرأي
ظهر المصطلح في أبحاث عالِمَي النفس كيث ستانوفيتش وريتشارد ويست، اللذين درسا كيفية تعامل الأفراد مع المعلومات المخالفة لمعتقداتهم. ويقوم هذا النمط على فحص الأدلة بموضوعية، وتقبّل الشك، وعدم اعتبار الآراء الشخصية حقائق ثابتة لا تقبل المراجعة.
وتشير دراسات لاحقة إلى أن الاستعداد لإعادة النظر في المواقف قد يرتبط بأداء أفضل في بعض اختبارات الاستدلال والتفكير العلمي، حتى عند مراعاة مستوى القدرات المعرفية الأساسية.
لماذا لا يعني التردد ضعفاً في التفكير؟
قد يُفسّر الشخص الذي يتأنى قبل إصدار الأحكام، أو يتراجع عن رأي سابق بعد اكتشاف معلومات جديدة، على أنه متردد أو غير حاسم. لكن التريث قد يعكس أحياناً محاولة لتقييم المعطيات قبل اتخاذ القرار.
والفرق هنا أن التردد غير المنتج قد يمنع الشخص من الحسم، بينما يتيح التفكير المنفتح تأجيل الحكم إلى حين توافر معلومات كافية، ثم اتخاذ موقف قابل للتعديل إذا ظهرت أدلة أقوى.
اختبار الأفكار بدلاً من الدفاع عنها
يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عما يؤكد قناعاته، وقد يتعامل مع المعلومات المخالفة باعتبارها تهديداً لموقفه. أما أصحاب التفكير المنفتح، فيحاولون النظر إلى الحجج المختلفة، ومقارنة الأدلة، والاعتراف بإمكان ارتكاب الخطأ.
ولا يعني ذلك قبول كل رأي جديد أو التشكيك في كل شيء، بل التمييز بين الاعتقاد الشخصي وما تدعمه الوقائع، والاستعداد لتغيير الموقف عندما تستدعي الأدلة ذلك.
الفضول الفكري وعلاقته بالذكاء
يبحث العلماء أيضاً في دور الفضول المعرفي، أي الرغبة في اكتشاف أفكار جديدة وفهم المسائل المعقدة. وقد أظهرت أبحاث واسعة أن بعض جوانب الفضول الفكري ترتبط بالقدرات المعرفية المقاسة.
ويُعتقد أن هذا الميل يساعد صاحبه على توسيع معارفه، واختبار افتراضاته، والبحث عن تفسيرات بديلة بدلاً من الاكتفاء بالإجابات المألوفة. لكن الارتباط بين هذه السمات والذكاء لا يعني أن إحداها دليل قاطع على الأخرى لدى كل فرد.
«الحاجة إلى المعرفة».. ما الذي يدفع إلى التفكير العميق؟
يشير مفهوم «الحاجة إلى المعرفة» إلى ميل بعض الأشخاص إلى الاستمتاع بالتفكير في الأسئلة المعقدة، والانخراط في التحليل بدلاً من الاكتفاء بالأحكام السريعة.
وقد يدفعهم هذا الميل إلى التعامل مع الآراء المخالفة بوصفها فرصة لاختبار أفكارهم وتطوير فهمهم، لا مجرد مواقف ينبغي رفضها أو الدفاع ضدها.
متى يكون تغيير الرأي علامة إيجابية؟
تتضح قيمة التفكير المنفتح عندما يغيّر الشخص موقفه استناداً إلى معلومات موثوقة، لا لمجرد إرضاء الآخرين أو تجنب الخلاف. كما أن القدرة على اتخاذ القرار تظل مهمة؛ فالانفتاح لا يتطلب التردد الدائم، بل الجمع بين فحص الأدلة والحسم عندما تكون المعطيات كافية.
وتخلص هذه الأبحاث إلى أن التفكير الجيد لا يقتصر على امتلاك الإجابات، بل يشمل القدرة على اختبارها ومراجعتها. ومع ذلك، فإن التفكير المنفتح وحده لا يكفي للحكم على ذكاء الإنسان، بل يمثل سمة معرفية مهمة ضمن مجموعة أوسع من القدرات والخصائص.
(العربية)















