لا تكتفي الصين بتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسيع استخدامها في […]
لا تكتفي الصين بتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسيع استخدامها في الاقتصاد والصناعة، بل تعمل على بناء منظومة متكاملة تواكب هذه التحولات، تشمل سوق العمل والتعليم والتدريب وحتى إعداد الكوادر العسكرية.
وتكشف تحركات صينية حديثة عن توجه يتجاوز فكرة إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات، نحو إعادة تنظيم رأس المال البشري بما يتلاءم مع عصر الآلات الذكية، عبر استحداث مهن جديدة، وإعادة تأهيل العاملين، وتطوير المناهج التعليمية والمهنية، إلى جانب تدريب ضباط على استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئات القتال المستقبلية.
ويأتي ذلك في ظل رهان متزايد من بكين على الذكاء الاصطناعي باعتباره محركاً للإنتاجية والتنافس الصناعي والنفوذ الاستراتيجي، في وقت تواجه فيه تحديات مرتبطة بالمنافسة الدولية على الرقائق والحوسبة والنماذج المتقدمة، فضلاً عن مخاطر داخلية تشمل فقدان بعض الوظائف، وفجوات المهارات، وأمن البيانات، والتحيز الخوارزمي والمسؤولية الأخلاقية.
وبدلاً من إطلاق التكنولوجيا في السوق ثم معالجة آثارها لاحقاً، تتجه الصين إلى بناء قواعد مهنية وتنظيمية وتدريبية بالتوازي مع انتشار الذكاء الاصطناعي.
مهن جديدة تواكب عصر الذكاء الاصطناعي
وتفيد وكالة الأنباء الصينية “شينخوا” بأن وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي أنهت مشاورات عامة بشأن 123 معياراً مهنياً، في أول طرح علني لمعايير من هذا النوع ضمن فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة.
ومن أبرز ما تضمنته المعايير مهن ناشئة مرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي، من بينها المدرب البشري للذكاء الاصطناعي الرقمي، وفني تطبيقات أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومنتج الرسوم المتحركة التوليدية.
وتعكس هذه الخطوة انتقال وظائف الذكاء الاصطناعي من مرحلة التسميات المتغيرة والتجريب إلى إطار أكثر مؤسسية، يشمل تقييم المهارات، ومسارات التطور الوظيفي، وإرشادات التدريب والتنمية المهنية.
وبحسب “شينخوا”، ترتبط أكثر من 20 مهنة من أصل 72 مهنة جديدة أُعلن عنها خلال السنوات الخمس الماضية بصورة مباشرة بالذكاء الاصطناعي. وتسعى بكين إلى توظيف هذه المهن في توسيع فرص العمل ورفع مستويات الدخل، بالتوازي مع توجه الخطة الخمسية الخامسة عشرة إلى تعزيز دور الذكاء الاصطناعي في خلق فرص العمل.
من استبدال الإنسان إلى التعاون معه
وفي سوق العمل، يبدو أن الخطاب الصيني يتحول تدريجياً من سيناريو “استبدال الإنسان بالآلة” إلى نموذج يقوم على التعاون بين الطرفين.
وتنقل “شينخوا” عن مسؤول في مجموعة “جيه دي” الصينية أن الشركة وسعت خلال العامين الماضيين وظائف مرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وساعدت آلاف العاملين على الانتقال إلى وظائف ذات قيمة أعلى.
ويقوم النموذج، وفق التقرير، على استخدام الذكاء الاصطناعي في معالجة الخدمات الأساسية، مع ترك المهام الأكثر تعقيداً للبشر، وتعزيز التعاون بين مختلف الوظائف.
ويرى ليانغ جِنغ، أستاذ السياسات العامة ومدير مركز بحوث حوكمة الذكاء الاصطناعي في جامعة تشينغهوا، أن خطط الحكومة الصينية المتعلقة باستقرار التوظيف وتوسيعه وتحسين جودته تشجع الشركات على الجمع بين التحول التقني وإعادة تدريب العاملين، بما يساعدهم على الاحتفاظ بوظائفهم والانتقال إلى أدوار جديدة داخل المؤسسات.
في المقابل، يقدم باو تشون ليه، الباحث في الأكاديمية الصينية لعلوم العمل والضمان الاجتماعي، رؤية أكثر توازناً، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي بالفعل إلى استبدال بعض الوظائف التقليدية وخلق ضغوط انتقالية، لكنه سيفتح في الوقت نفسه وظائف جديدة مع ظهور صناعات ونماذج أعمال وأنماط توظيف مختلفة.
وتشمل هذه الفرص سلسلة واسعة تبدأ من البنية التحتية للحوسبة والبيانات، مروراً بالخوارزميات وتدريب النماذج وحلول القطاعات المختلفة، وصولاً إلى تقييم الأمن والمراجعة الأخلاقية.
غير أن الاستفادة من هذه الفرص تبقى مرتبطة بتطوير المهارات. ويشدد باو على أهمية إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، إلى جانب مهارات التفكير النقدي والإبداع والتواصل.
كما يرى بان جي مينغ، مدير مدرسة بكين للتدريب المهني على المهارات الذكية المستقبلية، أن الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل وظائف محددة فحسب، بل يعيد تشكيل بيئة العمل بأكملها، وهو ما يجعل امتلاك المهارات المركبة أكثر أهمية بالنسبة إلى الباحثين عن العمل.
وفي هذا السياق، دعمت مدن ومقاطعات صينية، بينها شنغهاي وهوبي وبكين، خلال عام 2026 برامج تدريب تشمل تصنيف البيانات وتطبيق النماذج وتدريب مدربي الذكاء الاصطناعي والتقنيات التوليدية. كما أدرج مجلس الدولة ضمن خطة “التوظيف أولاً” برامج لدعم انتقال العمال وإعادة توظيفهم، مع التركيز على تدريب مهارات الذكاء الاصطناعي وتنمية المواهب المتخصصة.
الذكاء الاصطناعي يدخل مناهج التأهيل العسكري
ولا يتوقف التحول عند سوق العمل، إذ يمتد أيضاً إلى المؤسسات العسكرية الصينية.
وذكرت صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” أن باحثين من كلية علوم وتكنولوجيا الاستخبارات في جامعة الدفاع الوطني للتكنولوجيا اقترحوا إعادة تصميم مقرر “مبادئ وممارسات الذكاء الاصطناعي” المخصص لطلبة الدراسات العليا، بحيث يصبح التأهيل للحرب أحد محاوره العملية الرئيسية.
ونُشر المقترح في عدد يوليو من مجلة “تحولات الصناعة الدفاعية في الصين”، ويتضمن إدخال سيناريوهات قتالية، خصوصاً حرب الطائرات غير المأهولة، لربط المفاهيم النظرية للذكاء الاصطناعي بمراحل اتخاذ القرار العسكري والاستهداف.
ويشمل ذلك مراقبة الموقف وتقييمه، واتخاذ القرار والتنفيذ، إضافة إلى اكتشاف الأهداف وتحديدها وتعقبها والاشتباك معها وتقييم النتائج.
كما يقترح الباحثون استخدام التدريب المعزز في محاكاة عمليات اتخاذ القرار وتنفيذ الإجراءات، إلى جانب تدريب الطلبة على الاستدلال في ظروف عدم اليقين، بما في ذلك التعامل مع أعطال الأنظمة غير المأهولة وإنذارات اختراق الحدود.
لكن الجانب الأبرز يتعلق بحدود الدور الممنوح للذكاء الاصطناعي، إذ يؤكد البحث أنه يجب أن يبقى “أداة دعم للقرار”، مع احتفاظ البشر بسلطة القيادة النهائية.
ويتضمن المقترح أيضاً مناقشة الحدود القانونية والأخلاقية للأسلحة ذاتية التشغيل، بهدف تعزيز الشعور بالمسؤولية لدى المستخدمين، إلى جانب تعريفهم بنقاط ضعف الذكاء الاصطناعي، مثل تحيز البيانات، وحساسية الأنظمة للبيئة، وإمكانية تعرضها لهجمات معادية.
بنية بشرية موازية للبنية التقنية
تكشف هذه التحركات عن محاولة صينية لبناء بنية بشرية ومؤسسية موازية للبنية التقنية للذكاء الاصطناعي.
ففي سوق العمل، تسعى بكين إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من مصدر محتمل لفقدان الوظائف إلى محرك لمهن جديدة وأكثر تخصصاً. وفي التعليم والتدريب، تعيد توجيه المهارات نحو قدرات تجمع بين المعرفة التقنية والتفكير النقدي والإبداع والتواصل. أما في المجال العسكري، فتعمل على ربط المعرفة الخوارزمية بسيناريوهات الحرب المستقبلية، مع التأكيد على بقاء القرار النهائي بيد الإنسان.
لكن نجاح هذا النموذج سيعتمد على قدرة الصين على تحقيق توازن بين تسريع الابتكار وتعزيز التنافسية من جهة، والحد من اتساع فجوة المهارات أو تحول برامج التدريب إلى مجرد استجابة متأخرة لفقدان الوظائف من جهة أخرى.
كما ستظل الحوكمة والمسؤولية البشرية، خصوصاً في الاستخدامات العسكرية، عاملاً حاسماً في تقييم هذا التحول، وليس حجم التقدم التقني وسرعته فقط.
(الجزيرة)


















