هل سبق أن شاهدت فيلماً أعجبك أو تابعت مسلسلاً من […]
هل سبق أن شاهدت فيلماً أعجبك أو تابعت مسلسلاً من عشرات الحلقات، ثم اكتشفت بعد فترة قصيرة أنك لم تعد تتذكر أسماء شخصياته أو تفاصيل أحداثه، وربما نسيت أنك شاهدته من الأساس؟ في المقابل، لا تزال مشاهد وشخصيات من أعمال درامية قديمة، مثل «ذئاب الجبل» و«المال والبنون» و«أرابيسك»، حاضرة في ذاكرة كثيرين رغم مرور سنوات طويلة على مشاهدتها.
هذه المفارقة تطرح تساؤلات حول أسباب اختلاف قدرتنا على تذكر الأعمال الفنية، وما إذا كان الأمر مرتبطاً بضعف الذاكرة أم بتغير عادات المشاهدة وتزايد المشتتات الرقمية.
النسيان لا يعني بالضرورة ضعف الذاكرة
لا يدل نسيان تفاصيل فيلم أو مسلسل بالضرورة على وجود مشكلة في الذاكرة، فالأشخاص يختلفون في قدرتهم على استرجاع المعلومات والأحداث، كما أن الذاكرة لا تحتفظ بكل ما نتعرض له بالدرجة نفسها.
وبحسب عالم أعصاب بكلية الطب في جامعة جونز هوبكنز، في تصريحات لموقع «ديسكفر»، قد يتميز بعض الأشخاص بتذكر الحقائق والأحداث، بينما يكون آخرون أكثر قدرة على استرجاع الأسماء أو المعلومات التي يقرؤونها.
ولا تقتصر العوامل المؤثرة في الذاكرة على الفروق الفردية، بل تشمل أيضاً مستوى الانتباه أثناء المشاهدة، والمدة الفاصلة بين التعرض للمحتوى ومحاولة تذكره، ومدى تشابه المعلومات الجديدة مع ذكريات سابقة.
وتزداد أهمية هذه العوامل في ظل وفرة المحتوى الرقمي، إذ لم تعد مشاهدة الأفلام والمسلسلات مرتبطة بمواعيد عرض محددة، بل أصبح بإمكان المستخدم متابعة مواسم كاملة عبر منصات البث، والتنقل بين الأفلام والمسلسلات والمقاطع القصيرة على مدار اليوم.
وقد يؤدي هذا التدفق المتواصل إلى تداخل تفاصيل الأعمال المتشابهة في الشخصيات أو الأحداث، ما يجعل استرجاع قصة كل عمل على حدة أكثر صعوبة.
نشاهد أكثر.. لكننا نتذكر أقل
لا يرتبط الأمر بعدد الأعمال التي نشاهدها فقط، بل أيضاً بالطريقة التي نوزع بها مشاهدتها على مدار الوقت، خصوصاً مع انتشار متابعة الحلقات المتتالية دفعة واحدة.
وتُعرف هذه الممارسة باسم «المشاهدة المتواصلة»، وقد وصفتها نتفليكس بسباق المشاهدة، في إشارة إلى متابعة موسم كامل خلال 24 ساعة من طرحه.
في المقابل، تشير أبحاث التعلم والذاكرة إلى أهمية ما يُعرف بـ«تأثير التباعد»، وهو توزيع التعرض للمعلومات على فترات زمنية بدلاً من تلقيها دفعة واحدة.
وفي دراسة نُشرت عام 2017، اختبر باحثون من جامعة ملبورن تأثير أنماط المشاهدة المختلفة على الذاكرة، من خلال عرض مسلسل مكون من 6 حلقات على المشاركين وفق ثلاثة جداول: حلقة أسبوعياً، أو حلقة يومياً، أو الحلقات الست في جلسة واحدة.
وأظهرت النتائج أن المجموعة التي شاهدت الحلقات دفعة واحدة حققت أداء أفضل في اختبار الذاكرة مباشرة بعد المشاهدة، لكن قدرتها على تذكر الأحداث تراجعت بوتيرة أسرع مع مرور الوقت مقارنة بالمجموعتين الأخريين. وظهر هذا الفارق بوضوح عند إعادة الاختبار بعد نحو 140 يوماً.
وتكشف هذه النتائج أن سهولة تذكر الأحداث فور مشاهدتها لا تعني بالضرورة الاحتفاظ بها لفترة طويلة، إذ قد تمنحنا المشاهدة المتواصلة إحساساً قوياً بفهم القصة واستيعاب تفاصيلها، دون أن يضمن ذلك بقاءها راسخة في الذاكرة.
تشتيت الانتباه.. عدو التفاصيل
من العوامل الأخرى التي تؤثر في تذكر ما نشاهده، عدم منح المحتوى انتباهنا الكامل في كثير من الأحيان. فقد أصبح تفقد الهاتف أثناء مشاهدة التلفاز سلوكاً شائعاً، بين الرد على الرسائل ومتابعة الإشعارات وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تستمر الأحداث على الشاشة.
وفي دراسة نُشرت عام 2020 في مجلة «نيتشر»، بحث العلماء العلاقة بين شرود الانتباه وتعدد المهام الإعلامية، أي التعامل مع أكثر من وسيلة أو متابعة محتوى آخر في الوقت نفسه، ومدى ارتباط ذلك بالأداء في اختبارات الذاكرة.
واستخدم الباحثون تقنيات لرصد النشاط الكهربائي للدماغ وقياس قطر حدقة العين، إلى جانب اختبارات معرفية، وأظهرت النتائج وجود علاقة بين تشتت الانتباه والأداء المعرفي. غير أن هذه النتائج لا تثبت أن استخدام الهاتف أثناء المشاهدة يؤدي حتماً إلى تلف الذاكرة أو تدهورها.
في عصر الإنترنت.. لم نعد بحاجة إلى تذكر كل شيء
لم تتغير كمية المحتوى المتاح فحسب، بل تغيرت أيضاً طريقة تعاملنا مع المعلومات، فمع إمكانية الوصول إليها خلال ثوان عبر الإنترنت، لم نعد مضطرين إلى الاحتفاظ بكل التفاصيل في ذاكرتنا.
وتناولت دراسة نُشرت عام 2011 في مجلة «ساينس» هذه الظاهرة، وأشارت إلى أن توقع إمكانية الوصول إلى المعلومات مستقبلاً عبر الإنترنت قد يقلل من ميلنا إلى حفظها، مقابل زيادة قدرتنا على تذكر المكان الذي يمكن العثور عليها فيه.
وأظهرت التجربة أن المشاركين الذين اعتقدوا أن المعلومات ستظل متاحة لهم كانوا أقل ميلاً إلى تذكر محتواها، لكنهم كانوا أفضل في تذكر المكان الذي يمكنهم الرجوع إليه لاستعادتها.
كيف نتذكر ما نشاهده لفترة أطول؟
ليس من الضروري أن نتذكر كل تفاصيل الأفلام والمسلسلات، فالمشاهدة في المقام الأول وسيلة للترفيه والاسترخاء، وليست اختباراً للذاكرة. لكن إذا أردنا الاحتفاظ بأحداث العمل وشخصياته لفترة أطول، فقد تساعد بعض العادات البسيطة، من بينها:
- تجنب المشتتات: وضع الهاتف جانباً وتقليل تفقد الإشعارات أثناء المشاهدة.
- توزيع الحلقات: ترك فواصل زمنية بين الحلقات بدلاً من مشاهدة الموسم كاملاً في جلسة واحدة.
- استرجاع الأحداث: محاولة تذكر أبرز ما حدث في الحلقة بعد انتهائها، دون العودة مباشرة إلى الشاشة.
- مناقشة العمل: تبادل الآراء حول الشخصيات والأحداث مع الآخرين، ما يساعد على استحضار التفاصيل.
- تدوين الملاحظات: تسجيل أسماء الشخصيات أو أبرز الأحداث، خصوصاً في الأعمال التي تتضمن حبكات معقدة.
(الجزيرة)














