لا تتوقف تربية الطفل عند تعليمه الصواب والخطأ أو مساعدته […]
لا تتوقف تربية الطفل عند تعليمه الصواب والخطأ أو مساعدته على النجاح الدراسي والالتزام بالقواعد، بل تشمل أيضاً بناء بيئة يشعر فيها بالأمان والقبول، ويتعلم من خلالها فهم مشاعره وتكوين صورة متوازنة عن نفسه والعالم من حوله.
وقد تبدو بعض التصرفات التي يمارسها الوالدان في الحياة اليومية عادية أو حتى مفيدة، لكنها عندما تتكرر باستمرار قد تؤثر تدريجياً في ثقة الطفل بنفسه وقدرته على التعبير عن مشاعره واحتياجاته.
ولا يعني ذلك أن ارتكاب الوالدين للأخطاء سيجعل الطفل غير سعيد، أو أن المطلوب هو الوصول إلى تربية مثالية. فالعلاقات الدافئة والمتجاوبة، والروتين المستقر، والحدود الواضحة، والانضباط بعيداً عن القسوة، كلها عوامل تساعد الطفل على النمو الاجتماعي والعاطفي بصورة صحية.
1. التقليل من مشاعر الطفل
عبارات مثل «لا تكن كثير البكاء» أو «الموضوع بسيط فلا تحزن» قد يقولها الوالدان بهدف تهدئة الطفل، لكنها قد تجعله مع الوقت يشعر بأن مشاعره غير مقبولة أو غير مهمة.
فالحزن والخوف والغضب والغيرة مشاعر طبيعية، والطفل لا يحتاج إلى التخلص منها بقدر حاجته إلى فهمها والتعبير عنها وتعلم كيفية التعامل معها.
وتشير أبحاث صادرة عن مركز الطفل النامي بجامعة هارفارد إلى أن فهم المشاعر وتنظيمها يتطوران تدريجياً من خلال تفاعل الطفل مع البيئة والعلاقات المحيطة به.
لذلك، من الأفضل الاعتراف بمشاعر الطفل أولاً، قبل توجيه سلوكه، مثل القول: «أعرف أنك حزين، هل تخبرني بما حدث؟». وإذا تحول الغضب إلى سلوك مؤذٍ، يمكن وضع حدود واضحة دون إنكار الشعور نفسه.
2. ربط الحب بالنجاح والإنجاز
من الأنماط التي قد تؤثر في الطفل أن يشعر بأن الفخر والاهتمام والتقدير مرتبطون دائماً بدرجاته أو إنجازاته.
فعندما يقابل النجاح بالمدح والاحتفاء، بينما يقابل الفشل باللوم أو المقارنة، قد يبدأ الطفل في ربط قيمته الشخصية بما يحققه، ويصبح النجاح بالنسبة إليه وسيلة لإثبات استحقاقه للحب والقبول.
ومع الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة الخوف من الفشل والضغط النفسي. لذلك، من المهم أن يقدّر الوالدان الطفل لذاته، وأن يركزا على جهده وتقدمه وسلوكه، مع التأكيد أن مكانته داخل الأسرة لا تتغير بسبب نتيجة امتحان أو إخفاق في مهمة.
3. اتخاذ جميع القرارات نيابة عن الطفل
اختيار الملابس والهوايات والأصدقاء وحتى طريقة قضاء وقت الفراغ قد يتحول إلى شكل من أشكال السيطرة المفرطة إذا لم يُترك للطفل مجال لاتخاذ قرارات تتناسب مع عمره.
فالطفل يحتاج إلى مساحة آمنة للتجربة والاختيار وتحمل نتائج بعض قراراته، حتى يتمكن تدريجياً من بناء استقلاليته والثقة بقدرته على إدارة شؤونه.
ولا تعني التربية المتوازنة أن يترك الوالدان الطفل يفعل ما يشاء، بل أن يضعا حدوداً واضحة مع منحه مساحة مناسبة للاختيار، ما دام الأمر لا ينطوي على خطر أو ضرر.
4. تقديم النصائح قبل الاستماع
قد يسارع الوالدان إلى توجيه الطفل أو تصحيح سلوكه قبل أن يعرفا ما الذي حدث فعلاً. فعندما يعود غاضباً من المدرسة، قد يسمع فوراً عبارة مثل «كان يجب ألا تفعل ذلك»، بدلاً من سؤال بسيط: «ماذا حدث؟».
ومع تكرار هذا الأسلوب، قد يشعر الطفل بأن تجربته ومشاعره لا تحظيان بالاهتمام، ما قد يؤثر في قدرته على فهم احتياجاته والتعبير عنها.
لذلك، قد يكون الإنصات هو الخطوة الأولى قبل تقديم الحلول. فسؤال الطفل عما حدث يمنحه شعوراً بأنه مسموع ومفهوم، ويساعده على تطوير مهاراته العاطفية والاجتماعية.
5. تجاهل أخطاء الوالدين
ليس الخطأ في أن يغضب الأب أو الأم أو يرفع صوته في لحظة انفعال، فهذا قد يحدث في أي علاقة إنسانية، وإنما في تجاهل ما حدث بعد انتهاء الموقف.
عندما يعود أحد الوالدين ليقول لطفله: «أخطأت عندما رفعت صوتي عليك، وكان بإمكاني أن أتحدث بهدوء»، فإنه لا يفقد سلطته، بل يقدم نموذجاً عملياً لتحمل المسؤولية والاعتذار وإصلاح العلاقة.
في المقابل، قد يؤدي تجاهل الخطأ والتصرف وكأن شيئاً لم يحدث إلى ترك الطفل في حالة من الارتباك. أما الاعتذار الصادق وشرح الموقف فيساعدانه على فهم أن الخلاف لا يعني انتهاء العلاقة، وأن الثقة يمكن استعادتها بعد لحظات الغضب.
السعادة لا تعني غياب الحزن
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الطفل السعيد هو الذي يضحك دائماً ولا يشعر بالحزن أو الخوف أو الغضب.
لكن السعادة لا تعني غياب المشاعر الصعبة، وإنما أن يجد الطفل مساحة آمنة يستطيع فيها التعبير عن مشاعره دون خوف من الرفض أو فقدان حب والديه.
وفي النهاية، لا تحتاج الأسرة إلى الكمال حتى تمنح طفلها طفولة سعيدة، بل إلى الوعي والاستعداد لمراجعة الأخطاء وإصلاحها. فشعور الطفل بأنه محبوب لذاته، ومسموع، وآمن، وقادر على أن يكون نفسه داخل أسرته، قد يكون أكثر أهمية من محاولة حمايته من كل عقبة أو منحه كل ما يريد.
(الجزيرة)















