مع ظهور أولى الشعيرات البيضاء، يتجه الاهتمام عادة إلى وسائل […]
مع ظهور أولى الشعيرات البيضاء، يتجه الاهتمام عادة إلى وسائل إخفائها، لكن الباحثين يحاولون اليوم فهم ما يحدث داخل بصيلات الشعر قبل فقدانه لونه الطبيعي، في مسعى لكشف الأسباب البيولوجية للشيب ومعرفة ما إذا كان من الممكن التأثير في توقيت ظهوره مستقبلاً.
وتشير الأبحاث إلى أن تحول الشعر إلى اللون الرمادي ثم الأبيض يرتبط بتراجع إنتاج الميلانين، الصبغة المسؤولة عن لونه، وهي عملية تتداخل فيها عوامل عدة، أبرزها التقدم في العمر والوراثة، إلى جانب تغيرات خلوية وإجهاد تأكسدي قد يؤثران في كفاءة الخلايا المنتجة للصبغة.
الميلانين.. سر لون الشعر
يتحدد لون الشعر الطبيعي بكمية الميلانين ونوعه، وهي صبغة تنتجها خلايا متخصصة تُعرف بالخلايا الميلانينية الموجودة داخل بصيلات الشعر. ومع التقدم في العمر، قد تتراجع قدرة هذه الخلايا على إنتاج الصبغة وتوزيعها على الشعر الجديد، فيفقد لونه تدريجياً.
وتبدأ هذه التغيرات غالباً بظهور شعيرات رمادية، قبل أن تصبح بيضاء مع انخفاض كمية الميلانين بصورة أكبر. لكن توقيت حدوث ذلك يختلف من شخص إلى آخر، إذ تتحكم العوامل الوراثية بدرجة كبيرة في موعد ظهور الشيب، كما تؤثر الخصائص البيولوجية الفردية في سرعة انتشاره.
لماذا تثير الخلايا الجذعية اهتمام العلماء؟
من بين المسارات البحثية التي تحظى باهتمام متزايد، دراسة الخلايا الجذعية الميلانينية، وهي خلايا موجودة داخل بصيلات الشعر وتؤدي دوراً أساسياً في تجديد الخلايا المسؤولة عن إنتاج الميلانين خلال دورات نمو الشعر.
ويعتقد الباحثون أن تراجع مخزون هذه الخلايا أو فقدانها القدرة على التجدد والعمل بكفاءة قد يسهم في انخفاض إنتاج الصبغة. وفي هذا السياق، أشارت أبحاث نُشرت عام 2023 إلى أن اضطراب حركة الخلايا الجذعية الميلانينية داخل بصيلات الشعر، وفقدان مرونتها في الانتقال بين الحالات الخلوية المختلفة، قد يكونان من العوامل المساهمة في ظهور الشيب.
وتقدم هذه النتائج تفسيراً إضافياً لكيفية فقدان الشعر لونه، لكنها لا تعني أن العلماء توصلوا إلى علاج يعيد تنشيط هذه الخلايا أو يستعيد إنتاج الميلانين لدى البشر. فما زالت هذه الاحتمالات في نطاق البحث، وتحتاج إلى دراسات إضافية لتقييم إمكان تحويلها إلى تدخلات علاجية آمنة وفعالة.
هل يسرّع الإجهاد التأكسدي ظهور الشيب؟
لا يقتصر البحث على الخلايا المنتجة للصبغة، بل يمتد إلى البيئة المحيطة بها، ومن أبرز العوامل التي يدرسها العلماء الإجهاد التأكسدي. ويحدث هذا الإجهاد عندما يختل التوازن بين الجذور الحرة ومضادات الأكسدة داخل الخلايا، ما قد يؤدي إلى أضرار تؤثر في مكوناتها ووظائفها.
ويرجح الباحثون أن تراكم هذه الأضرار مع التقدم في العمر قد ينعكس على أداء الخلايا الميلانينية، كما يدرسون احتمال ارتباط الإجهاد النفسي بتغيرات تصيب الخلايا المسؤولة عن لون الشعر.
لكن لا يمكن اختزال الشيب في الإجهاد التأكسدي أو التوتر وحدهما، إذ تتداخل عوامل متعددة في ظهوره، ولا توجد أدلة كافية تثبت أن الحد من التوتر أو تناول كميات أكبر من مضادات الأكسدة يمكن أن يمنع الشعر من التحول إلى اللون الأبيض. وتظل الوراثة والعمر من أبرز المحددات المعروفة لهذه العملية.
متى يستدعي الشيب المبكر الانتباه؟
على الرغم من أن الشيب يرتبط في معظم الحالات بالتقدم الطبيعي في العمر، فإن ظهوره في سن مبكرة قد يتداخل أحياناً مع عوامل صحية، من بينها نقص بعض العناصر الغذائية مثل فيتامين B12، أو وجود اضطرابات صحية معينة.
ولا يعني ظهور الشعر الأبيض مبكراً بالضرورة وجود مشكلة صحية، لكن من المفيد طلب التقييم الطبي إذا كان التغير غير معتاد أو مصحوباً بأعراض أخرى. كما أن الاهتمام بالتغذية المتوازنة والصحة العامة يدعم وظائف الجسم، لكنه لا يشكل بحد ذاته وسيلة مثبتة لإعادة لون الشعر.
ومن المهم أيضاً عدم اللجوء إلى المكملات الغذائية بهدف التخلص من الشيب، إلا عند وجود نقص غذائي مثبت وتوصية طبية، إذ لا توجد أدلة تؤكد أن تناولها يعيد التصبغ الطبيعي للشعر لدى الأشخاص الذين لا يعانون نقصاً.
هل يصبح إيقاف الشيب ممكناً مستقبلاً؟
تتجه الأبحاث الحديثة إلى تجاوز التعامل مع الشيب بوصفه تغيراً ظاهرياً، والتركيز على العمليات التي تسبقه داخل بصيلات الشعر، من خلال دراسة الخلايا الجذعية الميلانينية والعوامل المحيطة بها والتأثيرات الوراثية والتغيرات المرتبطة بالعمر.
وقد تساعد هذه الأبحاث مستقبلاً على تطوير فهم أعمق لشيخوخة الشعر، وربما تفتح المجال أمام وسائل جديدة للتعامل مع فقدان التصبغ. لكن الطريق من اكتشاف الآليات البيولوجية إلى إثبات فاعلية علاج يستهدفها لا يزال طويلاً.
وحتى الآن، لا تتوافر وسيلة علاجية ثبتت قدرتها على منع الشيب الطبيعي أو إعادة اللون الأصلي للشعر الأبيض بصورة موثوقة. لذلك، تمثل الاكتشافات الحالية تقدماً في تفسير أسباب الظاهرة، لا إعلاناً عن قرب اختفائها.
(العربية)
















